قضايا وآراء

فشل الدولة أم "الدولة الفاشلة"؟

1300x600

كثُر الحديث إبَّان العقدين الأخيرين؛ عن "الدول الفاشلة"، وذلك بوصفها حاضنا، بفشلها الوظيفي؛ لما يُسمى بـ"الإرهاب".

و"الدول الفاشلة" اصطلاح يُطلَق في العلوم السياسيَّة "الغربيَّة" إما على البنى الدولتيَّة التي تتفسَّخ وتتحلَّل إلى درجة العجز عن الاضطلاع بمهامها، حتى لتعجز عن مجرَّد القيام بالمسؤوليات البدهيَّة التي تُمليها سيادتها على إقليمها؛ أو تطلق على الدول التي تفقد حكوماتها الشرعيَّة، والحاضِن الاجتماعي؛ حتى إن كانت تحسن في الظاهر الاضطلاع ببعض مسؤولياتها.

وبالمثل، فإن الدولة تُعَدُّ فاشلة إذا تحلَّلت الروابط الاجتماعيَّة الأوليَّة التي تربط أفراد شعبها، والتي انبنى عليها عقدها الاجتماعي؛ مما يؤذِن بتحلُّل الدولة نفسها. ومن ثم، تمحورت خصائص "الدول الفاشلة" حول عدد من المظاهر؛ لعل أهمها ثلاثة: عجزها عن الهيمنة على إقليمها، ومن ثم تبدُّد احتكارها للقوة الماديَّة التي تحفظ بها وحدة الإقليم؛ وثانيا تآكُل شرعيَّة السلطة وتخبُّطها وعجزها عن تنظيم موارِد الإقليم، الذي ينعكس غالبا في عجزها عن توفير الخدمات الأساسيَّة للقطاع الأكبر من ساكنيه (المياه، الكهرباء، الأمن الغذائي... إلخ). أما الثالث فهو تحطُّم صورتها ومقدرتها الدبلوماسيَّة ووجودها الخارجي، وعجزها عن الاستمرار كفاعل له وزن حقيقي، وجانب مرهوب؛ في المحافل الدوليَّة.

وإذا كان كل ما سبق يفترِض ابتداء سلامة الأسس النظريَّة والعمليَّة التي انبنت عليها دولة ما، ومن ثم يصير تراجُع تمسُّكها بهذه "الأصول الراسخة" وانحرافها عنها، بعد إذ بدأت بها يوما وشهِدت بسببها نجاحات نماذجيَّة إداريَّة وسياسيَّة واقتصاديَّة باهرة؛ مبررا لاعتبارها "دولة فاشلة" بعد نجاح، فإن هذا لا ينطبِق انطباقا كاملا على الدول ما بعد الكولونياليَّة، خصوصا في المشرِق العربي.

إذ رغم أن أكثر دول هذا المشرِق قد يتجلى فيها أكثر أو كل تعريفات "الدول الفاشلة"، إلا أنها في نهاية الأمر، وفي التحليل الأخير؛ ليست "دولا فاشلة" بالكامل (نظريّا على الأقل) بما أنها لم تكن يوما دولا ناجحة "نجاحا حقيقيّا" (كدول أوروبا الكولونياليَّة صاحبة النموذج). إذ انبنت دول هذا المشرِق منذ يوم "استقلالها" على كونها كيانات وظيفيَّة تابِعة، هياكل كرتونيَّة تحظى باستقلال صوري، وتتطاول في البنيان بمؤسسات إداريَّة وسياسيَّة صوريَّة، علاوة على البنى الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة شديدة الهشاشة. فلم تُحقق شرعيَّة بالمعنى السياسي الغربي، ولا حتى بالمعاني العديدة المستقرة في الفقه السياسي الإسلامي؛ ولا هي انبنت على عقد اجتماعي، من أي نوع؛ يكفُل لها بنية تحتيَّة اجتماعيَّة قويَّة يسعها تحمُّل "الدولة الفاشلة"، وجبر كسرها، وتعويض نقصها.

 

كيانات التجزئة التي عُرِفَت بالدول، في هذا المشرِق العربي؛ لم تنشأ في أكثرها بإجماع من أي نوع، أو حسب تطور سوسيولوجي ذاتي، أو حاجة قوميَّة حقيقيَّة، كالدول الأوروبية صاحبة النموذج؛ وإنما نشأت بالأساس بوصفها بنى إداريَّة- سياسيَّة تحفظ على القوى الكولونياليَّة مصالحها

والمراد أن كيانات التجزئة التي عُرِفَت بالدول، في هذا المشرِق العربي؛ لم تنشأ في أكثرها بإجماع من أي نوع، أو حسب تطور سوسيولوجي ذاتي، أو حاجة قوميَّة حقيقيَّة، كالدول الأوروبية صاحبة النموذج؛ وإنما نشأت بالأساس بوصفها بنى إداريَّة-سياسيَّة تحفظ على القوى الكولونياليَّة مصالحها (دول الخليج مثال فج)، بعد انقضاء مرحلة الوجود العسكري الكولونيالي المباشر، الباهظ التكلفة.

ولنكون أكثر دقة، فقد نشأت هذه "الدول" بوصفها تفريعا وامتدادا طبيعيّا حديثا لشركات الهند الشرقيَّة الكولونياليَّة (البريطانية والفرنسية والهولندية والبرتغاليَّة.. إلخ). ولهذا؛ فهي تُشبِه في أدائها البيروقراطي شركات القطاع العام الفاسدة، التي تفشَّت فيها السرِقة؛ وإن كانت لا تحوز من التماسك البيروقراطي شيئا. وهي في سياساتها (الخارجيَّة والداخليَّة) لا تكشف عن رؤية أو مشروع حقيقي، وإنما محض مُعادلات اقتصاديَّة مُبهمة لا يُمكن فهمها وإدراك حقيقتها إلا بوصفها جزءا من تقسيم العمل الدولي، أي بوصفها محض تعبير عن أداء "فروع" تابعة، توفر للشركات الأم (القوى الكولونيالية) بعض ما تحتاجه، بأقل سعر. إذ حتى "الازدهار" النسبي والمؤقت للنشاط الاقتصادي، في هذه الدويلات؛ لا يُمكن فهمه إلا بوصفه نجاحا في تلبية حاجات مُستهلِك غربي من الموارِد، سواء الوقود الحفري أو الزراعات المتنوعة؛ وأحيانا من الصناعات الخفيفة.

بل وحتى الدول القديمة، التي يعود تاريخ وجودها السياسي والإداري إلى أقدم العصور، مثل مصر؛ فإن الوجود الكولونيالي الطويل قد حطم استقلال وقوة بنيتها البيروقراطيَّة، بتحطيم بنيتها التحتيَّة الاجتماعيَّة؛ ليحولها من دولة حقيقيَّة (وإن كانت مثقلة ومنهكة) إلى مُجرَّد فرع "شركة" تابع تافه، وهو ما تحقَّق على مدى سبعين عاما تقريبا، منذ جلاء البريطانيين عن مصر.

خلاصة القول إن الحديث عن "الدول الفاشلة" في إطار المشرق العربي أمر يكتنفه العبث، وذلك لأن الدولة القوميَّة الحديثة فشلت في التكون في هذا المشرق، بل لم يُرَد لها حقيقة الوجود من الأصل؛ إذ أنه وجود سيُفضي لا محالة إلى استقلال القرار والإرادة، وسيؤدي آخر الأمر إلى ظهور كيان "إمبراطوري" قوي، يُزاحم الغرب ولا يستسلم له؛ كالكيان كالذي يبنيه الأتراك والإيرانيون لأنفسهم اليوم.

لكنَّ هذا كله لا ينفي "تمتُّع" كيانات التجزئة العربيَّة بجمهرة لا بأس بها من اﻵليات التسلُّطية التي عُرِفَت بها الدولة القومية الحديثة، وهو ما يظهر بصورة نماذجيَّة في الدول التي توحَّش فيها التحديث (رغم فشله وسطحيته) مثل مصر. هذه الآليَّات نفسها هي أسوأ ما في الدولة الحديثة، وأكثره وحشيَّة؛ خصوصا حين تقع بيد أوليغاركيَّة مُتغلِّبة بقوة السلاح. كما أن هذه الآليَّات عينها هي التي أسهمت في تحطيم البقيَّة الباقية من البنى التقليديَّة في المشرق العربي، وجعلت من بناء أي وحدة سياسيَّة يُسبَغ عليها وصف "إسلاميَّة" فوق هذا الماخور المنخور؛ مسألة جد مستحيلة.

وإذا كانت الدولة الحديثة لم تظهر على الحقيقة في بلادنا، فإن اﻵليَّات التسلطية، التي كانت توهمنا بوجود هذه الدولة وتضمن سلاسة عملها بوصفها وحدة تجزئة قُطريَّة؛ قد اهترأت منذ زمن، وانعدمت تقريبا طرائق تجدُّدها؛ إذ فسد التعليم وانحلَّ الإعلام اللذان تعتمد عليهما، وتآكلت مقدرتهما. فإذا أضفنا إلى ذلك كله الانقطاع القديم في الذاكرة التاريخيَّة- الاجتماعيَّة، الذي كرَّسته القوى الكولونياليَّة ووكلاؤها؛ سيُمكننا حينئذ فهم أسباب ارتداد الجماهير العريضة إما إلى الولاءات القبليَّة أو الطائفيَّة (رغم وحشيَّة التحديث وتزايُد معدلات العلمنة واللامبالاة بالدين!)، أو التهافُت على الرموز الثقافيَّة وأنماط المعيشة الغربيَّة. إذ أنهما الخياران الوحيدان في روع جماهير غفيرة تجهل أصولها.

 

يكفي القارئ والمتابع الحصيف أن يتأمل الغلام الفرنسي ماكرون، وهو يجول في شوارع بيروت المنكوبة؛ كأنه سُلطان فوق رئيسها، وهو ما انعكس في العريضة التي وقعها عشرات اﻵﻻف من اللبنانيين المطالبين بعودة الانتداب الفرنسي

ولعلَّ أحد أهم النماذج الصارخة التي تُجسد الفشل المبدئي والكامل لوجود الدولة، في المشرق العربي؛ هو لبنان، التي كان انفجار مرفئه مؤخرا وما تلاه من أحداث؛ حالة نماذجيَّة شديدة الدلالة على قُرب استحقاق زوال كيانات التجزئة العربيَّة، بعد أن استنفدت غرضها.

ويكفي القارئ والمتابع الحصيف أن يتأمل الغلام الفرنسي ماكرون، وهو يجول في شوارع بيروت المنكوبة؛ كأنه سُلطان فوق رئيسها، وهو ما انعكس في العريضة التي وقعها عشرات اﻵﻻف من اللبنانيين المطالبين بعودة الانتداب الفرنسي؛ لعلَّه يُخلصهم من روؤساء الطوائف وأمراء الحرب، الذين تسلَّطوا على الجماهير بحبل منها وحبل من القوى الكولونياليَّة؛ فكأن هذه الجماهير المغيَّبة لغفلتها تستجير من نفوسها بنفوس جلاديها، ومن الموظف التافه برئيسه؛ ومن الرمضاء بالنار. وبيَّض الله وجه أحمد مطر، الذي سك لنا نموذجا عبقريّا إذ قال:

أمريكا تُطُلِقُ الكَلْـبَ علينا،
وبها مِن كَلْبِها نَستنجِـدُ!
أمريكا تُطُلِقُ النارَ لتُنجينا مِنَ الكَلبِ؛
فَينجـو كَلْبُها... لكِنَّنا نُسْتَشُهَـدُ!
أمريكا تُبْعِـدُ الكَلبَ... ولكنْ،
بدلا مِنهُ علينا تَقعُـدُ!