كتاب عربي 21

1967.. ضرورة إسرائيلية وضلالة عربيّة!

حاول النظام العربي الرسمي الإيحاء أن هزيمة 1967 هي نكسة عابرة
فضّل النظام الرسمي العربي لأغراض دعائيّة تسمية نكبة العام 1967 بـ"النكسة". قد يبدو الأمر إرادة لمنع الانكسار المعنوي، بوصف يقصر في دلالاته عن معاني مفردة "النكبة"، من حيث وقع الكلمة، ومن حيث المعنى المستفاد منها تاريخيّاً. فالنكسة والحالة، هزيمة عابرة، بحسب ما أراد هذا النظام القول، من الممكن تجاوزها والنهوض من بعدها، إلا أنّه في الوقت نفسه أراد أن يَفْصل نفسه عن معنى نكبة العام 1948، إذ إنّ شرعيّته في الجوهر، لا سيّما النظام الناصري، وما تبعه في الشكل الثوري والعسكرتاري في الإقليم العربي كلّه، مؤسّسة على نقد النظام "الرجعي" الذي قادت سياساته إلى نكبة العام 1948، هذا التصور لهزيمة العام 1967 كان يحمل في أحشائه إقراراً نهائيّاً بالانتصار الإسرائيلي في العام 1948. بكلمة أخرى، أصبحت "إسرائيل" في وعي النظام العربي، بشقيه "التقدمي والرجعي"، حقيقة نهائية!

انتقل الخطاب الرسمي العربي سريعاً من تحرير فلسطين إلى "إزالة آثار العدوان"، وهو المصطلح الذي تبنّاه العرب جميعاً في مؤتمر الخرطوم الذي عقد في آب/ أغسطس- أيلول/ سبتمبر من العام 1967، أي سريعاً بعد الهزيمة المذلّة، (باستثناء سوريا التي لم تحضر المؤتمر ودعت لحرب تحرير شعبية). وبقدر ما يوهمه الظاهر من وحدة عربيّة مؤسّسة على الهزيمة في هذا المؤتمر، كان الباطن بداية دخول النظام الإقليمي العربي بقيادته الناصرية في "الحقبة الرجعية"، التي انتصرت بانتصار "إسرائيل" في الحرب.

انتقل الخطاب الرسمي العربي سريعاً من تحرير فلسطين إلى "إزالة آثار العدوان"، وهو المصطلح الذي تبنّاه العرب جميعاً في مؤتمر الخرطوم الذي عقد في آب/ أغسطس- أيلول/ سبتمبر من العام 1967، أي سريعاً بعد الهزيمة المذلّة

وبالرغم من طول التغنّي بلاءات هذا المؤتمر الثلاث (لا سلام مع "إسرائيل"، لا اعتراف بها، لا مفاوضات معها)، فإنّ البند الذي ساق هذه اللاءات الثلاث، كان منطوقه ومفهومه يربطها بالأراضي المحتلة عام 1967، مما يعني أنّ حقبة التسوية، والالتحاق بـ"الزمن الإسرائيلي"، بدأت من تلك اللحظة.

تسارعت النتائج إلى الظهور في قبول النظام الناصري لمبادرة وزير الخارجية الأمريكي وليام روجرز، التي ظهرت في العام 1969، ثمّ طُرحت رسميّاً في العام 1970، ونصّت على التفاوض المصري الإسرائيلي على أساس القرار 242. لم يكن هذا القرار يتحدّث فقط عن الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، وإنما كان ينصّ على "إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب، واحترام واعتراف بسيادة وحدة أراضي كل دولة في المنطقة، واستقلالها السياسي، وحقّها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة، ومعترف بها، وحرّة من التهديد وأعمال القوة"؛ كان قراراً يكرّس "إسرائيل".

وفي حين فشلت هذه المبادرة لأسباب إسرائيلية بالدرجة الأولى، فقد بدأت بالظهور دعوات فلسطينية لإقامة دولة فلسطينية في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وبينما كانت فصائل الثورة التي تقود منظمة التحرير الفلسطينية تصم دعوات "حلّ الدولتين" بالخيانية، فإنّها بدأت تالياً، من بعد حرب تشرين/ أكتوبر 1973، بالتبنّي التدريجي لهذه الدعوات وصولاً إلى اللحظة التي نعيشها اليوم.

المجتمع الإسرائيلي الفتيّ حينها، الذي انتصر للتوّ على "العرب المجتمعين" في العام 1948، أدرك من ذاته قدرته على خوض حرب أخرى ضرورية، توفّر لـ"إسرائيل" عمقاً استراتيجيّاً في بيئة معادية، وتحسم مادة الدعاية الصهيونية نهائيّاً "يهودا والسامرة وجبل الهيكل"، أي القسم الفلسطيني الذي ضُمّ من بعد النكبة للأردن (الضفة الغربية)، بما في ذلك من فرص اقتصادية وتنموية واستيطانية، ثمّ تحيل القضية إلى الأراضي الجديدة المحتلّة، مما يجعل أساس الصراع، أي الوجود الإسرائيلي، قد صار خلف ظهر الجميع، وسوف تصبح "إسرائيل" واقعاً نهائيّاً لا بالنسبة للعالم الأجنبي فحسب، بل للعرب أنفسهم، تفاوض على أراض جديدة محتلّة، ثمّ تخلق قضايا منفصلة للعرب، يعالجها الوعي العربيّ، وفق الظرف الإقليمي الناشئ على أساس الحدود الكولونيالية الانتدابية، أو ما يمكن تسميته بمصالح الدول القطرية الجديدة.

وقعت المقاومة الفلسطينية في وحل التجزئة العربية، والصراعات البينية للنظام الإقليمي العربي، الذي أرادها في أحسن أحواله مطيّة في صراعاته تلك، وفرصة لنفوذ أفضل في النظام الدولي. لن تكون فلسطين، والحالة هذه، محلّ إجماع عربيّ حقيقيّ، فكيف وقد صارت المقاومة الفلسطينية نقيضاً لمصالح دول أساسيّة في النظام الإقليمي العربي، بعضها محاذٍ لفلسطين، بيد أنّ جوهر الإشكال يعود إلى أنّ فلسطين لم تعد هي فلسطين، فقد طوى النظام العربي على الإقرار بالوجود الإسرائيلي، والاستعداد للتسوية معه
 
بالنسبة للفلسطينيين، يُفترض أنّ هذا الوعي العربيّ الجديد، الظاهر في السياسات الرسمية لأنظمة هذه الدول، قد بدأ يكشف عن نفسه سريعاً بعد النكبة، حينما لم يكن مُرحّباً بالمقاومة الفلسطينية انطلاقاً من هذه الدول، حتى قبل هزيمة العام 1967. اعتقل الأمن المصري في الخمسينيات خليل الوزير (أبو جهاد) لنشاطه المقاوم من قطاع غزّة، وهو لم يزل بعد منتمياً لجماعة الإخوان المسلمين، وكان قد استشهد في العام 1966 في سجون الأمن اللبناني جلال كعوش، أحد فدائيي حركة فتح، واعتقل أحمد الأطرش في العام نفسه لدى الأمن نفسه (كان لبنان هدفاً إسرائيليّاً مبكراً، وقد أثبتت الوثائق الإسرائيلية أن "إسرائيل" خطّطت لاحتلال الجنوب اللبناني حتى الليطاني من قبل العام 1967، وهو ما تحقق في العام 1978، أي أنّ الأمر في جذوره لا علاقة له بالمقاومة الفلسطينية في لبنان).


كانت "إسرائيل" تستهدف قوات البلد العربي الذي تنطلق منه مقاومة فلسطينية لضرب حكومة ذلك البلد بالوجود الفلسطيني فيها، كما حصل في العام 1966 حينما ضربت "إسرائيل" في بلدة السموع/ الخليل مفرزة للجيش الأردني ليستشهد اثنا عشر جنديّاً أردنيّاً، بعدما كانت المقاومة الفلسطينية قد فجّرت عبوة في دورية حدودية إسرائيلية قتلت فيها ثلاثة جنود إسرائيليين وجرحت ستة. أثمرت السياسات الإسرائيلية لاحقاً صدامات خاضتها الحكومات العربية مع قوى الثورة الفلسطينية في الأردن ولبنان، كما كان التدخّل السوري في لبنان بعد العام 1978 مناقضاً لمصالح الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية في لبنان (بالتأكيد لا ينبغي أن يُفهم من هذا تبرئة لسياسات قوى الثورة الفلسطينية حينها).

وقعت المقاومة الفلسطينية في وحل التجزئة العربية، والصراعات البينية للنظام الإقليمي العربي، الذي أرادها في أحسن أحواله مطيّة في صراعاته تلك، وفرصة لنفوذ أفضل في النظام الدولي. لن تكون فلسطين، والحالة هذه، محلّ إجماع عربيّ حقيقيّ، فكيف وقد صارت المقاومة الفلسطينية نقيضاً لمصالح دول أساسيّة في النظام الإقليمي العربي، بعضها محاذٍ لفلسطين، بيد أنّ جوهر الإشكال يعود إلى أنّ فلسطين لم تعد هي فلسطين، فقد طوى النظام العربي على الإقرار بالوجود الإسرائيلي، والاستعداد للتسوية معه، وتحويل الصراع العربي/ الإسرائيلي، إلى صراعات عربية معه منفصلة عن بعضها؛ تقوم على أساس استرداد كلّ بلد عربيّ لحقوقه، مثلاً مصر تسترد سيناء، وفي حين كان يمكن تجميل ذلك بربط التسوية بمجمل الأراضي المحتلّة عام 1967، فقد كان ثمن الاسترداد المنقوص لسيناء هو الاعتراف بـ"إسرائيل" على فلسطين! بينما صارت سيناء عمقاً للأمن الإسرائيلي، وفق اتفاقية "كامب ديفد"، بعدما قسّمتها إلى "أ، ب، ج"، بأعداد قوات وأنواع عتاد متفق عليها!

كانت حرب العام 1967 ضرورة إسرائيلية، لمحو أصل القضية الفلسطينية، ولعزل العرب عن فلسطين، وتثبيت "إسرائيل" انتقالاً إلى إعلان سيادتها على المنطقة! لتكون النكسة مطابقة لمعناها اللغوي الأصلي من انقلاب الحال ووضع الرأس مكان القدمين، والذلّ والانكسار، والطأطأة والخزي

بهذا يتضح أن تعبير "النكسة"، بما قصده من القول إمكان تجاوز هزيمة العام 1967، كان صحيحاً من حيثيّة محدّدة، ولكنها مدمّرة، فإمكان تجاوز هزيمة العام 1967، كان يعني في قصد النظام الرسمي العربي استحالة تجاوز هزيمة العام 1948، إلا أنّ المفارقة في كون هزيمة العام 1967 لم يجر تجاوزها، لا من حيث أنّ الاسترداد المصري لسيناء، كما سبق قوله، كان منقوصاً ومذلّاً، فحسب، ولكن من حيث تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية مع استمرارها احتلال أراضي العام 1967 (الضفة الغربية ومنها القدس، وقطاع غزة، والجولان)، وثبات الاتفاقية المصرية الإسرائيلية بالرغم من احتلال "إسرائيل" بيروت في عام 1982، أمّا ما يجري اليوم من علاقات تحالفية بين دول عربية و"إسرائيل"، فهو الدخول المعلن في السيادة الإسرائيلية على المنطقة!

لقد كانت حرب العام 1967 ضرورة إسرائيلية، لمحو أصل القضية الفلسطينية، ولعزل العرب عن فلسطين، وتثبيت "إسرائيل" انتقالاً إلى إعلان سيادتها على المنطقة! لتكون النكسة مطابقة لمعناها اللغوي الأصلي من انقلاب الحال ووضع الرأس مكان القدمين، والذلّ والانكسار، والطأطأة والخزي، وإذا لم تكن هزيمة العام 1967 ضلالاً من بعد رشاد، فقد صارت إمعاناً في الضلال السابق ورضا وتلذّذاً به!

twitter.com/sariorabi