أفكَار

عبد الرحيم حمدي.. إسلامي قاد التحرير الاقتصادي في السودان

أمين حسن عمر: السياسات الاقتصادية التي اتخذها حمدي كانت من أنجع السياسات (فيسبوك)
على الرغم من أن الإسلاميين في السودان قد حكموا البلد نحو ثلاثة عقود كاملة، إلا أن تجربتهم كانت في أغلبها تعكس طبيعة المواجهة مع النظام الدولي، الذي تحفظ ولا يزال يتحفظ على إشراك الإسلام السياسي في الحكم.

أما الآن وقد انتهت تجربة الإسلاميين في السودان، فإن ذلك يسمح بإعادة قراءة التجربة وتأملها، وليس هنالك طريقة أكثر قربا من معرفة أسرار واتجاهات الحركة الإسلامية السودانية وأكثر صدقا من قراءة تجارب وأطروحات قياداتها.. وهذا ما فعله القيادي فيها الدكتور أمين حسن عمر، بسلسلة مقالات يسجل فيها سيرة قيادة الحركة الإسلامية في السودان، تنشرها "عربي21" بالتزامن مع نشرها على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" في سياق تعميق النقاش ليس فقط حول تجارب الإسلاميين في الحكم، وإنما أيضا في البحث عن علاقة الدين بالدولة.


حمدي من الإعلام إلى الاقتصاد

ولد عبد الرحيم حمدي في العام 1939 وينتمي إلى قبيلة العبابدة بيد أنه لم يولد في بربر بل في مدينة مروى بسبب عمل والده الطبيب الذي كان كثير التنقل بين المدائن، ودرس سنته الأولى بشندي في العام 1946 وتنقل بعدها لمواصلة دراسته بالمرحلة الأولية في ثلاث مدن هي أم درمان والخرطوم وبربر بحكم عمل والده بالطب وتنقله من منطقة إلى أخرى. واستقر المقام بالأسرة بأم درمان فدرس بها الوسطى والمدرسة الثانوية بمدرسة وادي سيدنا الثانوية ثم جامعة الخرطوم التي تخرج فيها من كلية الاقتصاد في العام 1962. 

كان عبد الرحيم من أنشط وأبرز كوادر الجامعة وتولى تحرير (آخر لحظة) صحيفة "الاتجاه الإسلامي" وكان قد انضم للحركة الإسلامية إبان دراسته في مدرسة وادي سيدنا الثانوية، وعقب تخرجه من الجامعة التحق بوزارة المالية وإبان ذلك شارك في تحرير جريدة "الميثاق" التي كانت تصدرها جبهة الميثاق الإسلامي وكان من أبرز الصحفيين بها.. ثم تفرغ ليشغل منصب مدير تحرير الصحيفة. 

وبعد انقلاب مايو في 1969 اعتقل ضمن مجموعة قيادة جبهة الميثاق، وبعد إطلاق سراحه غادر للعمل خارج السودان. ولكنه عاد بعد المصالحة فعمل في قيادة الفريق الذي أسس بنك فيصل الإسلامي أول بنك إسلامي، وإن جرى افتتاحه بعد بنك فيصل في مصر. وشغل حمدي منصب نائب المدير العام. ثم انتدبه الشيخ السعودي صالح كامل ليؤسس بنك البركة في العاصمة البريطانية لندن. 

وفي العام 1989 بعد حكومة الإنقاذ كان حمدي الوزير الثاني بعد الراحل سيد زكي فشغل منصب وزير المالية حتى تشرين الأول (أكتوبر) العام 1993.. وخرج من الوزارة ليؤسس شركة مالية خاصة وهي شركة استشارية متخصصة في مجال الإستشارات المالية وعمل الدراسات المالية للبنوك.. ثم قام بتأسيس شركة الرواد للخدمات المالية في العام 1994.. وتقلد منصب رئيس مجلس إدارة سوق الخرطوم للأوراق المالية وشغل منصب رئيس مجلس إدارة بنك الاستثمار المالي، وذلك حتى عام 2002م الذي عين فيه وزيراً للمالية للمرة الثانية. 

وقد كان للسياسة المالية الجريئة التي أعلن حمدي في الثاني من فبراير عام 1992 وبدأها بتغيير العملة وتبني سياسة تحرير الأسواق أثرها في تحريك جمود الاقتصاد السوداني، رغم ضمور الموارد، وروج حمدي لسياسة الاعتماد على الذات وتنمية الموارد الذاتية وخلق موارد بديلة، واتخد سياسة التخصيص أو الخصخصة مغيرا بها وجهة الاقتصاد السوداني من التوجه الاشتراكي وهيمنة مؤسسات الدولة الاقتصادية إلى سياسة حرية الأسواق وحفز وتشجيع القطاع الخاص، رغم أنه لم يعمد إلى إخراج الحكومة من النشاط التجاري والخدمي ضربة لازب. 

وسياسة حمدي الاقتصادية منذ العام 1992 ظلت تحكم الاقتصاد السوداني على تفاوت في النجاح حسب حزم وقوة وحسن تدبير الطاقم الاقتصادي، وقد حققت نجاحا على عهد وزارته الأولى والثانية وحققت نجاحا في أواخر التسعينيات قاده الوزير عبد الوهاب عثمان.. وقد خرج حمدي في المرة الأولى والثانية لتمسكه بتطبيق السياسات بعيدا عن الضغوطات الفوقية. فهو صاحب آراء ومواقف صارمة، ويميل للمعالجة الجذرية للقضايا ولا يحلي قوله ولا مواقفه بالمداهنة ولا بالتلطف للخاصة ولا للرأي العام. 

والسياسات الاقتصادية التي اتخذها حمدي في معالجة علل الاقتصاد كانت من أفضل القرارات الاقتصادية التي اتخذت عبر عقود طويلة. وكان حزمه في تأكيد ولاية المال العام صامدا قويا وربما هو المفسر لعدم إطالة عهدته في الوزارة في المرة الأولى والثانية. 

وعبد الرحيم حمدي صريح في السياسة مستقيم المواقف مثل موقفه في الاقتصاد ويعرف عنه أهل الصحافة وهو واحد منهم (على الأقل في سنوات عمله الأولى) يعرفون عنه الإجابات الصريحة المباشرة التي قد تحدث عند السائل صدمة لأول وهلة. 

وقد توفي، عبد الرحيم حمدي في 16 من نيسان (إبريل) الماضي عن عمر يناهز (82 عامًا) إثر إصابته بفيروس كورونا المستجد، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.