أفكَار

ماذا تبقى من حركات الإسلام السياسي بعد خسارته بالمغرب؟

قراءة هادئة في أسباب هزيمة الإسلاميين في الانتخابات المغربية وتداعياتها (فيسبوك)

تباينت الآراء والتحليلات بشأن الخسارة الكبيرة التي مُني بها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة في المغرب، لكنها تعكس بوضوح مدى تراجع حضور الحزب ذي المرجعية الإسلامية في المشهد السياسي المغربي، وهو ما اعتبر في سياق قراءة الحدث وتحليله مؤشرا على فشل أو (إفشال) مشاريع حركات الإسلام السياسي.

ووفقا لمراقبين فإن انتقال تلك الحركات والأحزاب من مواقع التنظير إلى ميادين الفعل والمشاركة، وضعها وجها لوجه أمام تحديات الموازنة بين الأفكار والمبادئ التي تدعو إليها وبين إكراهات الواقع وضغوطاته، وهو ما ورطها في ممارسات منتقدة، وجرها إلى مواقف كانت تنأى بنفسها عنها طوال مسيرتها السابقة، ما شوّه صورتها، وأفضى إلى إضعاف حضورها. 

حزب العدالة والتنمية يُعد من الأحزاب الأكثر اعتدالا في تصوراته وتوجهاته الإسلامية، والأشد مرونة في ممارساته السياسية، وكانت بعض الأحزاب والقوى الإسلامية في المشرق العربي تنظر إليه بوصفه أحد رواد العمل السياسي في إطار الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، معتبرة تجربته بتنظيراتها وتطبيقاتها حالة متقدمة للإفادة منها، والبناء عليها. 
 
ومما كثرت الإشارة إليه في سياق دراسة تجارب حركات "الإسلام السياسي" وتقييمها، بعد أن آلت في نهايتها إلى الفشل أو (الإفشال) تكرارها ذات الأخطاء، والتي يأتي في مقدمتها افتقاد تلك الحركات إلى رؤى استراتيجية تصدر عنها في ممارساتها ومواقفها، مما غلب على كثير من أفعالها أنها تأتي كردات أفعال، مما يوقعها في شباك ومصائد أجهزة الدولة العميقة وقواها المتنفذة، التي تتحكم في رسم السياسات وتنفيذها بما يخدم أجنداتها السياسية. 

وبعد أن دفعت ثورات الربيع العربي تلك الحركات إلى صدارة المشهد السياسي، وأدخلت بعضها إلى ملعب السلطة، خسرت ذلك كله بعد تمكن قوى وأجهزة الدولة العميقة من وأد فوز تلك الحركات، وتجريدها من مشروعية وجودها وحركتها، ومن نجا منها من بطش الأنظمة السلطوية، تم الالتفاف على منجزاته بإدخاله في تجارب ظاهرها المشاركة في الحكم، وحقيقتها تورطيها في ممارسة فاشلة، ما أفضى إلى حرقها شعبيا، وإضعاف حضورها في الشارع. 

أمام إخفاق تلك الحركات في تجاربها وممارساتها السياسية، وإخراج بعضها من دائرة الحضور والفاعلية وإدخالها قسرا في نفق المطاردة والملاحقة والمحاصرة، تُثار تساؤلات حول ما تبقى من مشاريع الإسلاميين السياسية، إن كان ما آلت إليه يعني أفول نجمها، وفشل مشاريعها، أم أنها ستنهض مرة أخرى، وتعيد ترتيب أوراقها من جديد، متفادية كل ما وقعت فيه من أخطاء، وما مدى إفادتها من تجاربها المفجعة لمواجهة تحديات المكر السياسي ومغالبتها، حتى لا تكون مرة أخرى فريسة سهلة لمكر السياسة، ودهاء لاعبيها الكبار. 

الكاتب والإعلامي المصري، أحمد عبد العزيز، الذي شغل منصب المستشار الإعلامي للرئيس محمد مرسي، أقر بأن "حركات الإسلام السياسي التي استحوذت (إبان الربيع العربي) على (مساحة) في ملعب السلطة، وليس في الحكم ولا في السلطة، مُنيت بهزيمة فادحة، تنوعت ظروفها وأشكالها، وتفاوتت مُددها". 

 

                          أحمد عبد العزيز.. كاتب وباحث مصري

وأضاف: "سببها في تقديري واحد، ألا وهو أن السياسة في بلادنا ليس لها قواعد تُتبع، ولا نتائج فيها تُحترم، فهي أشبه ما تكون بمباراة كرة قدم، تجري على ملعب (هوكي جليد)، بقواعد كرة السلة، يديرها حكم مصارعة حرة، متواطىء، وقد تصورت تلك الحركات بسذاجة مفرطة أن بإمكانها تغيير هذا الوضع السريالي وجعله أكثر عقلانية، لكنها لم تفلح، لسبب رئيس، ألا وهو أنها لم تكن مستعدة ولا مؤهلة ـ لا على مستوى الكوادر ولا على مستوى الرؤية والطرح ـ للتعاطي مع هذا النمط السياسي الذي لا علاقة له بالسياسة". 

وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "ونتيجة لذلك فقد استطاعت الدولة العميقة جرها لمساحات حرجة، أفقدتها فيها (عذريتها)، وأحالت مبادئها إلى شعارات جوفاء، في نظر الجماهير، فهذه الحركات.. فكرة، وقيادة، وقاعدة جماهيرية.. أما الفكرة، فهي باقية بطبيعة الحال؛ لأن هذا شأن الأفكار". 

وتابع: "أما القيادة فقد أثبتت فشلها وعجزها في ترجمة الفكرة إلى مشروع، قادر على الصمود أمام حيل الدولة العميقة، وإذا أرادت أو حاولت أن تفعل (ويجب أن تحاول) فستحتاج إلى وقت ليس بالقصير، وأما القاعدة الجماهيرية، فمنها من شرد، ومنها من انكفأ، ومنها من لا يزال على ولائه لهذه القيادات، ومن ثم، فنحن أمام حالة من الإعياء والضعف، بل والتفكك، يحتاج علاجها إلى جيل واحد على الأقل". 

من جهته قال الكاتب والباحث التونسي، رضا خالد: "شهدت الحركات الإخوانية في بداية العشرية الأخيرة صعودا أوصلها إلى سدة الحكم في مصر وتونس والمغرب، وجعل منها فاعلا أساسيا في المعارضة المسلحة في اليمن وسوريا وليبيا مما رسخ الاعتقاد أنها غدت الفاعل الأبرز في البلدان العربية".

 

                                      رضا خالد.. باحث تونسي

واستدرك: "لكن نهاية العشرية مثلت سقوطا مدويا سواء في شكل هزيمة عسكرية، أو في شكل فشل سياسي في إدارة الشأن العام" مضيفا: "لقد بينت تجارب الحكم الإخوانية أن هذه الحركات تفتقد الخبرات والكفاءات والبرامج والخطط القادرة على تلبية حاجات المواطنين، وتغيير الأوضاع إلى الأحسن". 

ورأى خالد أن "هذا العجز عن تسيير دولة حديثة أبرز الفارق الكبير بين معارضة نظرية وخطاب غارق في العموميات من جانب، وبين إدارة دولة حديثة وتحقيق إنجازات على الأرض من جانب آخر، كما زاد من ضعف أداء الحكومات الإخوانية ارتهانها إلى محاور دولية وإقليمية تتقلب مواقفها حسب الظروف، وتتحالف وتؤازر طبقا لمصالحها الذاتية". 

وردا على سؤال لـ "عربي21" بشأن انعكاس مآلات التجربة على شعبية تلك الحركات ومدى فاعليتها، لفت خالد إلى أن "صدمة السقوط السريع والعام ستؤثر على واقع الحركات الإخوانية ومستقبلها، وستختلف حسب قوة وتماسك التنظيم في كل بلد، وحسب حجم الضغوط التي سيتعرض لها من قبل الخصوم والأنصار سواء بسواء". 

وتابع: "فقد تحصل انشقاقات جماعية تتولد عنها تنظيمات جديدة منافسة تزيد من تشتت حركات الإسلام السياسي، وقد تحصل تغييرات على مستوى القيادات وتظهر وجوه جديدة تحمل رؤى مغايرة بعد مراجعات مؤلمة، أو تحافظ على الخط العام مع تغيير طرق العمل، وقد تختلف المراجعات إما باتجاه انفتاح أكبر على المحيط والعصر وإما على العكس من ذلك بانتهاج خط أكثر تشددا، قد يصل حد مقاطعة العمل السياسي القانوني السلمي". 

وخلص خالد إلى أن "هذه الصدمة قد تعيد إلى الواجهة صراعا لازم تلك الحركات منذ نشأتها، يتعلق بعلاقة الدعوي بالسياسي وعلاقة الدين بالدولة، وربما أدّى إلى سؤال جوهري يتعلق بهوية هذه الحركات وضرورتها، فهل هي جماعات دينية أم أحزاب سياسية.. وهل مجتمعاتها جاهلية فعلا أم مسلمة.. وما معنى ذلك"؟

وفي الإطار ذاته ذكر الباحث والأكاديمي المغربي، الدكتور فؤاد هرّاجة أن "معظم التجارب السياسية للأحزاب المحسوبة على الحركات الإسلامية، إما أنها فشلت أو تم إفشالها" مرجعا ذلك إلى عدة أسباب، من أهمها "تبنيها منطق الغلبة عوض منطق التوافق خلال المرحلة الانتقالية، وتبوؤها الواجهة السياسية ومن ثم تحمل مسؤولية أي فشل سياسي واقتصادي".  

 


 
وتابع: "وأخطأت تلك الحركات حينما استبدلت المشروع المجتمعي الاستراتيجي، بمشروع سياسي آني، الأمر الذي جعل هذه الأحزاب تغرق في أوحال تركة الفساد التي تراكمت لسنوات، ومن تم تبتعد رويدا رويدا عن الحاضنة الشعبية، كما زجت بكل كوادرها وأطرها الدعوية في العمل السياسي، وأهملت الجوانب المجتمعية الأخرى".
 
وشدد هرّاجة في حواره مع "عربي21" على أن "اعتماد تلك الحركات أسلوب التفاوض السري مع المؤسسات العسكرية والدولة العميقة، عوض بناء تحالفات مدنية قوية وبطريقة علنية، وفي الوقت نفسه عدم قدرتها على مصارحة الجماهير بالمناورات التي كانت تحاك ضدها وضد الشعب لأنها كانت في دائرة السلطة، وتحالفها مع فلول الأنظمة التي سقطت ومراهناتها على تثبيت وجودها السياسي من خلال العمل المشترك معها، كان من أسباب ذلك الفشل". 

وعن مدى استفادة تلك الحركات من إخفاقاتها السابقة، لفت إلى أن "مرحلة ما بعد الربيع العربي كانت درسا عمليا بليغا لكل تيارات الإسلام السياسي، سواء التي شاركت في السلطة، أو تلك التي لم تشارك، بلفت انتباهم إلى ضرورة استحضار عقبة الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية.. وما يتطلبه ذلك من تدابير وسياسات، وكذلك أهمية استحضار العداء العالمي والإقليمي لأي وجود إسلامي في السلطة، ما يعني استعدادهم لقبول تنحية الإسلاميين مهما كلف الثمن، وما انقلاب مصر، وأحداث رابعة ببعيدة عنا". 

وخلص هرّاجة في ختام حديثه إلى أنه "يتوجب على الحركات الإسلامية التي اختارت طريق المشاركة السياسية دون تعبيد الطريق لها، أن تتحمل فشلها، وأن تعترف بسوء تقديرها للمرحلة، مع عدم الإصرار على معاودة نفس التجربة السياسية حيث أسطورة الإصلاح من الداخل، فالتغيير السياسي ليس نزهة داخل المؤسسات أو تجربة عابرة، بل هو مسؤولية جسيمة تقتضي الحكمة والتؤدة، ونكران الذات، مع استثمار الفرص السياسية التاريخية التي قد لا تسنح إلا نادرا".