كتاب عربي 21

فاز الرئيس وخسرت البلاد (بنسلفانيا-1)

1300x600
(1)
نيفادا تكفي، لكنني مشغول أكثر بموقف بنسلفانيا..

هكذا قلت رداً على طمأنة صديقتي الأمريكية بنجاح جوزيف بايدن.

قالت: لماذا تهتم بالانتخابات الأمريكية أكثر منا؟

كنت ضيفاً على العائلة منذ مطلع الأسبوع، وسيطرت أمريكا وانتخاباتها على حديثي ومزاجي واهتماماتي، ويبدو أن هذا الاهتمام غير المبرر (لهم) قد أفسد الوقت الذي كنا نقضيه عادة في أجواء عائلية مختلفة ونقاشات مفتوحة تجمع بين الفن والفلسفة والسياسة وتصورات العالم في مرحلة ما بعد "كوفيد 19"..

لم أفكر كثيرا في إجابة سؤال ساندي، قلت باختصار: الحب والكراهية.

رفعت حاجبيها في دهشة تطلب المزيد من التوضيح، بينما يتابع زوجها إيريك أخبار الانتخابات على شاشة الهاتف ثم يمدني بتفاصيل مكررة؛ نتبادلها بيننا بملل أحيانا وبرغبة في السؤال والتعمق بقية الوقت.

قلت لساندرا: تعرفين أن الاختيار بين أي رئيسين في أمريكا مثل تخيير الزبون بين بيبسي وكوكا كولا، هذه عبارة شائعة عن الانتخابات الأمريكية حتى عندكم، وتعرفين أيضا أنني ممن يعارضون النظام العالمي كله ولا أراهن على أشخاص يتنافسون داخل الإطار نفسه، فهم في كل حال يتنافسون من أجل تجويعنا واستغلالنا وقتلنا بطريقة أقل تكلفة، لكن معركة "بايدن/ ترامب" بالنسبة لي ولكثيرين في العالم ليست خيارا بين شخصين، بل اعتراضا واحتجاجا ورغبة في إزاحة نموذج لقائد رأسمالي وقح جشع متحرش جهول يمارس السياسة بجلافة، حتى لو كان البديل رأسماليا آخر لكنه مهذب لبق يمارس الفساد بنعومة وشياكة.

ولماذا تهتم بموقف بنسلفانيا طالما تكفي نيفادا لإزاحة النموذج الذي ترفضه؟

قلت: القصة طويلة وأظنها أكبر من السياسة.

قالت: هل لديك قصة فعلا عن بنسلفانيا، أم ترغب في تعويض الوقت الذي أهدرناه في متابعة هذه الانتخابات السخيفة والمخيفة؟

قلت: القصة فعلا عن السخافة والإخافة.

قال إيريك متخابثاً: وأين قصة الحب والكراهية التي نوهت إليها ولم نفهم منها شيئاً؟

قلت باسماً: القصة واحدة يا إيريك، لكنها طويلة وتتضمن كل هذا.. إنها القصة التي لا تنتهي أبداً.

(2)
منذ عامين تقريباً انتهت دردشات السمر بيني وبين صديق مثقف إلى إعداد كتاب انطباعات ذاتية عن "الحياة في أمريكا.. الناس والمكان"، أعددنا كل التفاصيل وقسمنا المهمة على خمس رحلات، الأولى منها تبدأ من ولاية كونتيكت شمالا وتنتهي بفلوريدا جنوبا، وهي المسافة الممتدة من بيت آلان بو إلى شاليه هيمنجواي عبر منزل مرجريت ميتشيل في المنتصف تقريباً، ولما كان صديقي من المقيمين في أمريكا، فقد كان عليّ الحصول على تأشيرة دخول، وهو الأمر الذي ترددت فيه عدة أشهر حتى أقنعني صديقي وتولى تجهيز الأوراق وتقديم الاستمارة وذهب معي إلى موعد المقابلة في السفارة الأمريكية، وعندما سألتني موظفة السفارة عن هدف السفر حدثتها عن الرحلة، إنها رحلة معرفية للخروج من الصورة المزيفة التي لا نعرف بها أمريكا على حقيقتها.

قالت: هل أمريكا مزيفة؟

قلت: الصورة هي المزيفة، فأنا لا أعرف أمريكا الحقيقية، وأظن أن معظم الناس في العالم لا يعرفون أمريكا الحقيقية.

قالت: تقصد أن هدف السفر هو السياحة؟

قلت: شرحت الهدف، لكن إذا كان هذا توصيفكم فأنا لا أمانع..

قالت: هل ترغب في الدخول من أجل الهجرة؟

كنت قد أصررت على طبع عدة مقالات كتبتها خلال سنوات عن علاقتي الملتبسة بأمريكا، فهي ليست علاقة عداء ولا علاقة انبهار، بل علاقة نقد للنظام والانحطاط الرسمي في مقابل تقدير للإبداع الإنساني في مجالات كثيرة، وكان هذا المعنى واضحا في مقال منشور بصحيفة السفير اللبنانية قبل إغلاقها بعنوان "أمريكا التي أحب"، ويركز على التفرقة بين السلطة والناس.. بين انحطاط النظام الإمبراطوري الجشع وعظمة ثقافة الغضب والاحتجاج في الأدب والشعر والسينما، لكن هذا المقال لم يكن المقصود للرد، كان الرد في استهلال مقال منشور في صحيفة "المصري اليوم" بعنوان: "رسالة غير مفخخة إلى الزعيم فيتو كورليوني" (12 كانون الأول/ ديسمبر 2015)، وقد ترجمت لها نص الجملة التي أريد توصيلها لها:

"لم أفكر في أمريكا أبداً كمكان أعيش فيه، لكن كملحمة سيتوقف التاريخ أمامها طويلا كما توقف أمام الإمبراطورية الرومانية".

لما تجهمت الموظفة أكثر، فكرت أن يكون الالتباس في المعاني سبباً لتجهمها، فطلبت ترجمة لأتحدث معها بلغتي الأم، وجاءت المترجمة السمراء لتؤكد بتعجل ما أردت أن أوصله، لكن الموظفة سألتني بتشكك يملأ عقلها وأوراقها: هل أسرتك تعيش معك هنا؟

قلت: عائلتي كلها في بلادي.

هل لديك وظيفة دائمة أو مسكن تمليك هنا؟

قلت: ليس لدي أي ارتباط هنا.

قالت: لقد اختصرت عليَّ الطريق، فنحن نريد ارتباطا كما تنص هذه المادة، ومدت يدها لتسلمني ورقة مطبوعة تتضمن تفاصيل الارتباط المطلوب في بلد المغادرة، ثم قالت وهي تنهي المقابلة بوجه شمعي: لن أسمح لك بالسفر إلا إذا قدمت لي ارتباطات كافية هنا تضطرك إلى العودة!

قلت لها بابتسامة فاترة: لم يعد لدي رغبة في السفر، فأنا لست لاجئا ولن أكون، أنا باحث عن حقيقة مهملة، وقد عرفت جانباً كبيراً من حقيقة أمريكا مرسوما على وجهك ونظرتك المتشككة.

انتهى الموقف السخيف، وفي الطريق حاول صديقي التخفيف من أثر المقابلة، فحكيت له عن تضحيتي النفسية من أجل رغبته ومن أجل شوق المعرفة الذي يسكنني منذ سنوات.

قال: سنكررها بنجاح، فهذه الموظفة ليست النموذج، هناك كثيرون ألطف منها.

قلت معتذراً: أنا لا أقف في سفارات أي بلد لأطلب تأشيرة دخول، وحكيت له عن تأثري بمقال مهجور لماركيز بعنوان "الجرينجو لا يريدونني" بعدما احتجزه الأمريكان على الحدود في موقف مهين. وللأسف ما زلت أبحث عن نص هذا المقال منذ سنوات ولا أجده، ولا أتذكر أين قرأته، لكنه صار درسا لي: إما دعوة كريمة باحترام، وإما أن يظل موطئ قدمي هو موطني ولا أضيق به أبداً.

(3)
"اللعنة على هوس الهجرة الذي يسكن حراس الحدود الأمريكية، عقول منغلقة على فخ ملون مع أننا أمة من المهاجرين، وكلهم (كلنا) لا نعرف حقيقة أمريكا".

كنت أقرأ خبراً على الموبايل عندما علقت ساندرا بهذه العبارة، وأضافت: لا تغضب.. لقد احمر وجهك من الغضب وأنت تحكي.

قلت بابتسامة ساخرة: موظفة السفارة بريئة من احمرار وجهي، إنها فلوريدا اللعوب تثير غيظي مرة أخرى بعد أن خذلت آل جور لصالح بوش الصغير قبل سنوات.

قالت: هل تميل للديمقراطين أكثر من الجمهوريين؟

قلت: الحب والكراهية.. لا أستطيع أن أستبعد الميول العاطفية في السياسة، وأنا عاطفيا قريب من الديمقراطيين، لهذا تعجبني خريطة التقسيم السياسي بين الحزبين الكبيرين في أمريكا، فإذا تقصينا أنصار الديمقراطيين بين نجوم السينما والأدباء والصحفيين، ستجدين أن من أحبهم مع الديمقراطيين ومن أجهلهم أو أستخف بهم يكونون من الجمهوريين، وكذلك خريطة الولايات نفسها.

ماذا في الخريطة (سأل إيريك)؟

لو تخيلنا خريطة أمريكا وحشاً كما يصور هوبز الدولة، فإن رأسه سيكون باتجاه الشرق وذيله في ألاسكا، بينما فلوريدا هي قدمه اليمنى وحافره الطويل.

تقاطعني ساندرا: وأين بنسلفانيا في حديثك؟

إنها المستطيل الأكبر في رقبة الوحش، ألا يسمونها عندكم "كي ستون" أو حجر الأساس لأمريكا كلها؟

وما علاقة ذلك بالصراع الانتخابي بين بايدن وترامب؟

علاقة فنية وتاريخية أكثر منها سياسية.. حب وكراهية كما اتفقنا، وربما أمل وخوف كما قال بايدن في خطابه على أرض بنسلفانيا.

سأقدم لكم بعض العصائر المخلوطة من صنع يدي، لأن القصة بدأت في التشويق.

قال إيريك وهو ينهض منبهاً: لا تواصل الحكاية حتى أعود.

(4)
إذا تأملنا خريطة فوز كل من بايدن وترامب على جسد الوحش، سنلاحظ أن بايدن فاز بالرأس والرقبة ومعظم الصدر (إلا بنسلفانيا ظلت معلقة)، ثم في إشارة ذات دلالة عن فوز ترامب بالأحشاء والأقدام. ويكمل بايدن القوس في أقصى الغرب كأنه يضع البلاد بين قوسين، كعلامة حماية أو "تحفظ".

قالت ساندرا: ملاحظات فنانين تحتاج إلى جهد لربطها بالسياسة، وإن كانت تشير إلى انهماك في المتابعة واستغراق في التفاصيل.

قال إيريك: لهذا كنت تريد أن تنفذ رحلاتك المعرفية لاستكشاف التفاوت الثقافي والأخلاقي في مختلف الولايات.

(5)
عندما كتبت مقال "أمريكا التي أحب"، كنت أناقش نفسي وعائلتي بعد طغيان نموذج الحياة الأمريكية داخل بيتي نفسه، في الموسيقى التي أصحو عليها وفي أفلام السينما التي نجتمع لنشاهدها ونحتفظ بنسخ منها، وفي الملبس وغواية الوجبات السريعة والطموحات أيضا، لذلك كان النشر الأول والموسع لهذا المقال في مجلة "سطور" بعنوان: "رسالة إلى بهاء الدين.. هذه أمريكا التي أحب".

وأعتقد أن ذلك المقال لم يحدد موقفي فقط، بل أضاء لنا الكثير من الأمور حتى في مستقبل ابني وصديقي بهاء الدين، فقط كنت قبلها معجبا بكتاب جاردوي الذي يصف فيه أمريكا بأنها "رأس الانحطاط"، لكن الاستسلام للصورة النمطية عن الوجه القبيح وفقط لأمريكا كان يتعارض مع إعجابي الشديد بإبداعات وايتمان وشتاينبك، وحتى جموح وتمرد جيل الغضب واحتجاجات الهيبز وحركات الحقوق المدنية للسود، ونقد حرب فيتنام الذي تحول إلى لؤلؤة ثقافية وصحفية في التاريخ الأمريكي الحديث.

هذه الدراما التي تتدرج بين الأبيض والأسود وضعتني أمام سؤال: ما هي أمريكا؟ وما هي حقيقتها؟ وهل يقدر الجمال الثقافي على مواجهة القبح السياسي المافياوي المتجذر في بنية النظام؟

وأعتقد أن إجاباتي في ذلك الوقت كانت ساذجة وتصالحية، وتقتصر على أن النظام سيء والناس "حلوين".

لكن إذا كان ذلك صحيحاً، فهل يستمر ذلك الحال؟ أم أن فساد رأس السمكة سيؤدي بالضرورة إلى فساد الجسد كله؟

(6)
كانت صدمة فوز ترامب على حساب هيلاري كلينتون استعادة لأسئلتي النائمة عن حقيقة أمريكا، وبدأت أتشكك في كل شيء حتى الصحافة التي كنا نشيد بنزاهتها وتقصيها العميق، فكيف نهرب من طمأنة استطلاعات الرأي وحملات الهجوم على وقاحة ترامب وخطورته على النموذج الأمريكي؟

كان لا بد من وسائل أقرب تساعدني وأمثالي في مهمة التعرف على "الحقيقة الأمريكية"، خاصة وأن حياتنا ارتبطت بأمريكا لأسباب فوق إرادتنا وفوق قدرتنا على تغيير ذلك الارتباط، وارتحنا للتفسير السائد بأن اختيار ترامب كان غلطة يجب تصحيحها، لأنها أضرت بصورة أمريكا عند الأمريكيين.

فلا شك أنهم يسخرون من الأحمق الذي كان يناقش بجدية كيفية حقنهم بسوائل التنظيف لحمايتهم من فيروس كورونا، ولا شك أنهم شعروا بالإهانة لمجاهرة رئيس الدولة الأعظم بأنه "زعيم عصابة مافيا" يفرض إتاوة على اللصوص الأقل مقابل حمايتهم من الآخرين، بل ويدعم الطغاة متجاهلا الدستور وقوانين المعونة لمجرد أنهم يسمعون ويطيعون. فالطاغية الأكثر طاعة وتنفيذا للتعليمات يصبح لدى الرئيس الغلطة "طاغيته المفضل"، وغير ذلك من الحماقات المعلنة كثير.

لكن النتائج الأولية لانتخابات تصحيح الغلطة جاءت محطمة للأوهام التي نتخيلها عن المجتمع الأمريكي، حيث بدت نخبته وصحافته في جانب، وبدا المجتمع العميق في جانب أكثر انحيازا لنموذج البلطجي المتحرش الوقح، بل ظهر بوضوح أن يده ممدودة أطول داخل المجتمع ليس بغرض التأثير الناعم والاحتيال الانتخابي وفقط، لكن لتشكيل جماعات حماية وضغط تمارس التهديد وسلوك العنف السياسي، وتلوح بالتحكم في استقرار الدولة المركزية التي تتباهى بتهديد استقرار العالم كله في أي لحظة تقررها!

(7)
المشكلة بالنسبة لي ليست في نتيجة انتخابات أمريكا 2020، وليست في تسمية الرئيس، المشكلة أن هذه الانتخابات انتهت بهزيمة مخجلة للمجتمع الأمريكي نفسه، بحيث ظهر أمامي مجتمعاً غير قادر على الاختيار الصحيح، وغير قادر على صيانة مكتسباته الدستورية وصورته الذهنية، وهذه النتيجة من وجهة نظري هي التي أخذتني إلى مقولة البداية: نيفادا تكفي لفوز بايدن، لكنها لا تكفي أبداً لفوز أمريكا، أما لماذا بنسلفانيا؟

فهذا يحتاج إلى وقت أطول ومساحة أوسع، ومهما كانت نتيجة الانتخابات فسوف أستكمل معكم القصة لنعرف الفرق بين المافيا والنظام، بين القوة والحق، بين الخوف والأمل، بين السوق والدولة، بين الفضة والفضيلة، بين نيفادا وبنسلفانيا.

وفي المقال المقبل نواصل..

tamahi@hotmail.com