قضايا وآراء

خصائص الدولة المافياوية العربية وطرق الإصلاح

1300x600
في عام 2012 عقد مؤتمر في جامعة فوردهام في نيويورك لبحث الوضع الدستورى في العالم العربي، فقدمت دراسة عن الدولة المافياوية العربية، وأوضحت خصائص هذا النوع من الدول وطرق الإصلاح السياسي.

واليوم أعيد تلخيص هذه الدراسة في ظل إلحاح المآسي للأوطان العربية، واجتياح الموجة الصهيونية بالتعاون مع الدولة المافياوية للقضاء على الهوية العربية الإسلامية.

وقد درج الباحثون العرب على ترديد مصطلح الدولة العميقة ليبرروا إعاقة محاولات التغيير، وهذا المصطلح يبدو لي غير منطقي، ولكن استمرار الطابع المافياوي للدولة يعمق تكلس القوى التي تقاوم التغيير.

الجديد الذي فرض إعادة فتح الموضوع، هو توارد عدة تطورات وأحداث، الأول أنني لاحظت أن الكثير من الدراسات والمقالات تفترض أنها تتعامل مع دولة عادية كالتي نراها في الغرب والكتب. أما العامل الذي حتم الإسراع في طرح الموضوع، فهو مؤتمر الطائفية الذي عقد في الدوحة عام 2014، ثم اندلاع الحراك في لبنان والعراق ضد الطائفية، وهو نفس طريق ثورات الشعوب العربية التي ضلت طريقها لأسباب لا مجال لشرحها في هذا المقام.

ثم حدثت الهرولة العربية نحو إسرائيل، بل وإمعان بعض السفهاء العرب في مساندة إسرائيل في إبادة الفلسطينيين داخل أراضيهم، وتمزيق أوطان عربية عزيزة بتعليمات صهيونية، ومن ثم صار طرح الموضوع ملحا بحثا عن طريقة للمعالجة.

الدولة العادية تضم الأرض والشعب والحكم الذي يدير الأرض والشعب بإرادة الشعب، وفق الدستور وتحت رقابة ممثلي الشعب، للتأكد من أن كل الثروات ملك لكل الشعب، وأن المنصب العام ملك للشعب، وليس غنيمة للموظف.

الذي حدث في المنطقة العربية، هو أن الاستعمار التقليدي لم يرحل إلا بعد أن اطمأن إلى إقامة دولة مافياوية، تستولي فيها الطوائف الحاكمة على كل الثروات، وترهن الوطن لضمان استمرارها في الحكم، فتحول المواطنين إلى رعايا يتطلعون إلى رضا الطائفة وزعيمها، سواء كانت طائفة دينية أو أسرية أو عسكرية.

وقد كشفت أمواج الحراك أن أركان الدولة العربية موجودة، ولكن الطائفة الحاكمة استولت على مؤسساتها وقراراتها وصارت هي الحاكم المطلق، ومهمتها استلاب الثروات لصالح المافيا وحرمان بقية الشعب، بل تحول بعضها إلى اعتبار المواطن فريسة مالية لتستثمر في مقومات الثروة. ولا علاقة لهذا النمط بالدول المعروفة، كما صارت الحكومة هي سكرتارية تنفيذية للمافيا الحاكمة.

أما الانتخابات، فصارت أداة وهمية لتأكيد سلطة المافيا عبر الطوائف والتزوير الممنهج. وبالطبع فإن حرص المافيا على التعتيم والسرقة في الظلام والنظر إلى الشعوب على أنها بسبب جهلها تستحق القهر والنهب والظلم ورهن الوطن لصالح نظام المافيا، ولذلك فإن بعض نظم المافيا العربية تحول ثروات البلاد إلى ترامب، حتى تستقر في حكمها تحت ستار حماية الأمن القومي للبلاد، دون وجود مهدد لهذا الأمن.

في الدول المافياوية، لا معنى للحديث عن الدستور أو القانون أو القضاء أو العدالة أو المواطنة أو السياسة الخارجية، فكل شيء موجه نحو دعم مصالح المافيا التي تعادي أي نقد أو مطالبة بالتغيير، ولذلك تضامنت النخب المافياوية في البلاد العربية ضد الهبات الشعبية الهادفة إلى إزالة نظام المافيا وإنشاء دولة الشعب كله، وهي الدولة الحديثة.

والدولة العربية بطبيعتها دولة مافياوية ساعد على إنشائها المستعمر، وهي النمط الذي يحقق مصالح الدول الغربية التي تشجع منظمات حقوق الإنسان التي تنتقد الدول المافياوية إبراء للذمة، وكذلك انتقادات المنظمات الحقوقية الغربية لسلوك دولة المافيا.

صحيح أن ظل المافيا موجود أيضا في الدول الديمقراطية، وهي جماعات المصالح التي تتحكم أحيانا في تطورات الأحداث، ولكن هذا يتم بشكل غير مباشر وفي أضيق الحدود، بخلاف الدولة المافياوية التي تتباهى بسلوك المافيا، ولو شاء الغرب لرفع رعايته لها وأنهى وصايته عليها.

وبالطبع، في ظل هذه الدولة المافياوية يزدهر المشروع الصهيوني، وتتدهور مقدرات الدولة وتختزل في رأس المافيا.

وفي بعض الدول، يكون للمافيا أوراق قوة تتوازن مع المافيات الأخرى، بما في ذلك المليشيات كما في لبنان، وتقاوم المافيات قوة الجيش ومظاهر الدولة الحقيقية.

أما في الدول الأخرى، فإن المافيا الحاكمة تسيطر على كل شيء، بما في ذلك الجيش والشرطة والسياسة الخارجية، ويكون همها المحافظة على الوضع الراهن، وتقاوم أي محاولة للتغيير حرصا على امتيازاتها.

وقد رصدنا عدة مداخل للتعامل مع الدولة المافياوية:

المدخل الأول هو المطالبة بالديمقراطية، دون الانتباه إلى أن هذا المطلب يحتاج إلى دراسات تفصيلية سياسية وسوسيولوجية.

المدخل الثانى هو الثورة لتحقيق التغيير، ولكن ظاهرة الثورة لا تجدى في إحداث التغيير لأسباب تفصيلية تحتاج إليها.

المدخل الثالث هو حركة حقوق الإنسان، وهذا مدخل ساذج لأن انتهاكات حقوق الإنسان ضمانة لاستمرار المافيا، كما أنها نتيجة طبيعية للدولة المافياوية، فإصلاح الأعراض يتطلب إصلاح السبب.

المدخل المقترح: هو رفع وعي الناس، وهذا مجال النخب الثقافية التي تخلت عن دورها، وأوله التوعية ومحاولة تخفيف التناقض بين الحاكم والمحكوم، خاصة مع تطور وسائل الاتصال، ودراسة أشكال مخففة من التقارب بين الحاكم والمحكوم، فلا يمكن للدولة المافياوية أن تستمر مع وعي الشعب بالحقائق؛ لأن الوعي هو السلاح الفعال لاقتناع الحاكم في الدولة المافياوية بالطريق الصحيح لإنقاذ الوطن. وعلى الغرب مسؤولية مطلقة في هذه العملية، ومدخله نخبه، فلا بد من طرق كل الأبواب الحضارية لإصلاح هذا الخلل الجسيم.