اقتصاد عربي

خبراء: انهيار "أرابتك" ضربة لقطاع العقارات بالإمارات

في نهاية حزيران كان إجمالي الالتزامات المالية على أرابتك نحو 2.75 مليار دولار، منها 500 مليون دولار اقترضتها من بنوك- جيتي

أكد خبراء ماليون واقتصاديون أن قطاع المقاولات في الإمارات العربية المتحدة تلقى ضربة موجعة إثر انهيار كبرى شركات المقاولات بها "أرابتك"، وفق تقرير نشرته "رويترز".

  

وكانت شركة "أرابتك" القابضة المدرجة في دبي، التي ساهمت في بناء برج خليفة بدبي، وهو أطول ناطحة سحاب في العالم، تخطط قبل ما يزيد قليلا عن ستة أعوام للإدراج في لندن وهونغ كونغ ونيويورك. 


لكن هذه الخطط لم تُنفذ قط. فبعد ضخ سيولة بين 2013 و2017 وتغييرات في الإدارة وتسريح عاملين وعدة جولات لإعادة الهيكلة، قرر المساهمون في أرابتك، والذين من بينهم صندوق مبادلة التابع لحكومة أبوظبي، الأسبوع الماضي أن أكبر شركة مقاولات مدرجة في الخليج يتعين عليها تقديم طلب للتصفية.

وفي نهاية حزيران/يونيو، كان إجمالي الالتزامات المالية على أرابتك نحو 2.75 مليار دولار، منها 500 مليون دولار اقترضتها من بنوك.

والتصفية، التي من المرجح أن تؤدي إلى المزيد من تسريح العمالة في شركة كانت لديها قوة عمل كبيرة قوامها 40 ألف فرد حتى نهاية العام الماضي، ستكتب كلمة النهاية لمرحلة من الازدهار في نشاط التشييد بالنسبة لشركات المقاولات المحلية.

وقال زياد مخزومي الذي عمل مديرا ماليا لأرابتك في الفترة من أيلول/سبتمبر 2008 إلى آذار/مارس 2013 لرويترز: "شركة عظيمة عمرها 45 عاما اختفت من على وجه الأرض. من المحزن بشدة أن تختفي شركة أيقونية مثل تلك".

 

اقرأ أيضا: "إفلاس أرابتك" يواصل ضغطه على أسهم الإمارات.. ومصر تهبط

تضررت الاقتصادات في منطقة الخليج هذا العام بسبب فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط مع تخفيضات في إنتاجه، لكن انهيار شركات تشييد عملاقة مثل أرابتك ومجموعة دريك آند سكل إنترناشونال الهندسية في الإمارات له جذور أعمق.

فقد أشارت مصادر بالقطاع ومحللون ومصرفيون إلى أن بعض شركات المقاولات في المنطقة استخدمت نموذج عمل غير مستدام.

فقد كانوا يخفضون الأسعار وأحيانا تكلفة المشروعات عن الشركات المنافسة للفوز بعطاء على أمل تحقيق ربح عن طريق عمل إضافي عندما يبدأ التشغيل.

التغيير بسياسات الدولة

يعمل هذا النموذج على فرضية أن الإمداد من عملاء تدعمهم الدولة في الغالب سيستمر إلى ما لا نهاية، لكنه سرعان ما انهار عندما توقف تدفق الأموال.

وقال مصدر في القطاع رغب بعدم ذكر اسمه: "لديك عميل يمكنه أن يغمرك بالعمل ويجعلك تصبح ملء السمع والبصر، ثم في دقيقة واحدة إذا قررت الدولة لأسباب فنية أو حتى سياسية أو اضطرت لأسباب اقتصادية أن تعلق أو ترجئ المشروعات، فلن يكون هناك أي دعم بعد ذلك. وبدون أسس ينهار المنزل بأكمله".

ولم ترد أرابتك على طلب للتعقيب، فيما امتنعت دريك آند سكل إنترناشونال عن التعقيب.

وفي السعودية المجاورة عانت مجموعة بن لادن في الأعوام الماضية لتحصيل مدفوعات من الحكومة مقابل مشروعات خاصة أثناء فترة انهيار أسعار النفط في 2015. والآن تقوم أكبر شركة تشييد سعودية بإعادة هيكلة ديون تقدر بعشرات المليارات من الدولارات بعدما أخذت الدولة من أفراد عائلة بن لادن حصة 35 بالمئة في إطار حملة لمكافحة الفساد شنتها الرياض في نهاية 2017.

ولم ترد شركة بن لادن حتى الآن على طلب للتعقيب.

وعندما يتعثر نموذج العمل، تكون التداعيات بعيدة المدى. وعلى الرغم من أن البنوك انتهجت أسلوبا أكثر تحفظا في إقراض شركات المقاولات في الآونة الأخيرة، فإن محللين يقولون إن انكشافها على القطاع يظل يشكل أزمة.

وقال محمد داماك أحد كبار المديرين في وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز والرئيس العالمي لشؤون التمويل الإسلامي العالمي بها: "شركات المقاولات والشركات التي في سلاسل إمدادها، من المساهمين الأساسيين في تكون القروض المتعثرة - منذ انهيار أسعار النفط في 2015 وحتى الآن - ونتوقع استمرار هذا الاتجاه".

مشكلة تدفق السيولة

وقال مخزومي: "المقاولات ليست عملا صعبا.. إذا قمت بالتصميم والتنفيذ والإدارة في الوقت الملائم، فستكون في وضع جيد (...) إذا لم يدفع العميل في الوقت المناسب (...) فستكون في مشكلة".

وجاء قرار أرابتك بالتصفية بعد خسائر في النصف الأول من العام بلغت 216.18 مليون دولار وخسائر متراكمة بلغت نحو 400 مليون دولار. وقالت الشركة إن الجائحة أضرت بمشروعاتها وأدت لتكبدها تكاليف إضافية.

وقال وليد المقرب المهيري رئيس أرابتك وهو أيضا نائب الرئيس التنفيذي للمجموعة في مبادلة: "على الرغم من جهود السعي لاستحقاقات قانونية وتجارية وإعادة هيكلة ماليات وعمليات الشركة، فإن الوضع الذي وجدت أرابتك نفسها فيه اليوم لا يمكن تحمله".

وكثيرا ما أدى تكرار تأخر العملاء في المنطقة عن السداد إلى فرض ضغوط على شركات المقاولات المتضررة بالفعل بسبب انهيار سوق العقارات في دبي في 2008 و2009.

لكن مشكلات تدفق السيولة كان يجري التغلب عليها عادة عن طريق إدارة عدة مشروعات في الوقت نفسه وافتراض أن الإمداد سيستمر لأجل غير مسمى.

 

اقرأ أيضا: ما سر انهيار الشركات الكبرى بالإمارات؟.. "تفاصيل صادمة"

وبالنسبة لساتشين كيرور المدير المشارك لمكتب الشرق الأوسط في شركة المحاماة ريد سميث، فإن جزءا من المشكلة يكمن في أسلوب ترسية العقود.

وقال: "المهم هو توفير مجال عمل مربح وملائم للمتعاقدين. يتعين على المطورين والمشترين أن يتعلموا تجنب المشروعات التي ترسى عليها عقودها لأنها ببساطة قدمت أقل نموذج أسعار. ينبغي أن يفهموا تكاليف دورة الحياة وأن يرسوا عقود المشروعات على شركات المقاولات وفقا لهذا الأساس".

ضغوط على قطاع العقارات

انهيار أرابتك، التي كُلفت بتشييد موقع دبي إكسبو 2020، قد يفرض مزيدا من الضغوط على قطاع العقارات والبنوك المحلية.

وحتى قبل انهيار الشركة، كانت ستاندرد آند بورز جلوبال للتصنيف الائتماني قد خفضت بالفعل تصنيف أكبر شركتين للعقارات في الإمارات إلى "مرتفع بالمخاطر" في ظل توقعات بأن إجراءات احتواء جائحة كورونا ستؤدي لانكماش اقتصاد دبي 11 بالمئة هذا العام.

وتمانع البنوك هذا العام في منح شركات المقاولات ائتمانا جديدا في ظل التباطؤ، لكن مصرفيا في دبي قال إن تصفية أرابتك قد تعني المزيد من الخسائر المتوقعة.

وقالت أرقام كابيتال إن بنك المشرق في دبي من أكثر البنوك انكشافا بقرض قيمته 353 مليون درهم (96.11 مليون دولار)، ووفقا لتقديراتها يمكن لبقية البنوك استرداد 37 بالمئة فقط من سجل قروضها. وامتنع بنك المشرق عن التعقيب.

وقالت أرقام كابيتال في مذكرة بحثية إن شركات التطوير الكبيرة في الإمارات ستتضرر أيضا.

وأضافت: "هوامش المطور ستتقلص على الأرجح في المشروعات الجديدة حيث نتوقع إعادة تسعير عقود التشييد لصالح المتعاقدين بعدما تبين أن نموذج العمل القائم لشركات المقاولات المحلية (...) غير قابل للاستمرار ويؤدي للإفلاس".

(الدولار = 3.6728 درهم إماراتي)