قضايا وآراء

بين الحياد البطريركي ومفتاح اللواء: هل يظهر الحل في لبنان؟

1300x600
تحدث المدير العام للأمن اللبناني سعادة اللواء عباس إبراهيم؛ عن مفتاح الحل في الدور السعودي البناء والكريم مع أشقائه في لبنان، وهو دور لطالما تميزت به مملكة الخير في عهود ملوكها السابقين وعلى رأسهم المغفور له الملك فهد بن عبد العزيز، حيث قال اللواء إبراهيم بعد اللقاء مع سعادة السفير السعودي في لبنان: "إننا نعتبر أن السعودية هي المفتاح للتعاطي مع الدول العربية وننظر إلى المملكة على أنها الشقيق الأكبر"، وقال: "نحن نبحث على مساحة مشتركة مع الدول العربية تعود بالفائدة على لبنان والدول التي نزورها".

وسر الكلام في بواطنه عن محورية الدور السعودي في لبنان، والذي به فقط ستكون الإطلالة اللبنانية الجديدة على العالم العربي؛ الذي حذر عبر كلام الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط عن منحى انزلاقي للوضع اللبناني.

لوم وعتاب عربي

لقد حذر أبو الغيط بأن الوضع في لبنان خطير للغاية، ويتجاوز كونه مجرد أزمة اقتصادية أو تضخما، مشيرا إلى أنها أزمة شاملة لها تبعات اجتماعية وسياسية خطيرة، "ويمكن للأسف أن تنزلق لما هو أكثر خطرا"، معربا عن خشيته من أن يتهدد السلم الأهلي في البلاد بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي يتعرض لها اللبنانيون.

وأضاف: "أرجو بكل صدق أن تستشعر الطبقة السياسية هذه المعاناة غير المسبوقة، لأنني، حتى الآن، لا أرى أن رد فعل الطبقة السياسية في مجملها على الأزمة يعكس ما كنا نأمله من استشعار للمسؤولية الوطنية أو الإدراك الكافي لخطورة الموقف الذي يواجه البلد، فما زال هناك، للأسف، تغليب للمصالح الضيقة على مصلحة الوطن، وهو ما يعمق الأزمة". وفي الكلام لوم قاس وعتاب حاد لكل المسؤولين اللبنانيين ينسجم مع عتاب الفرنسيين من قبل، إن لم نقل تأنيبهم!!

ووجه أبو الغيط نداء إلى الدول والهيئات المانحة بـألا يُترك اللبنانيون وحدهم في هذا الظرف الصعب، مؤكدا أنه لا بد من أن يكون هناك حل لإنقاذ الوضع الاقتصادي لأن تبعات ما يجري ستطاول الجميع في لبنان وخارجه.

البطريرك إلى الحياد در.. ماذا عن الأمريكان؟

وعطفا على كلام أمين عام جامعة الدول العربية، كانت إطلالة صاحب الغبطة مار بشارة بطرس الراعي بكلام واضح عن عودة لبنان إلى دوره التاريخي عبر مفهوم الحياد الإيجابي.

هذا الحياد برأي البطريرك يشكل شبكة أمان للبنان المتعب اجتماعيا والمنهك اقتصاديا والمستنفد سياسيا وماليا ونقديا.

لقد صرح صاحب الصرح البطريركي بالقول: "إن لبنان هو الحياد والدولة المدنية وبلد اللقاء والتعددية والعيش معاً وأتى ميثاق 43 ليكرس هذا الواقع". فهل في كلام الراعي عن الميثاق رد بالمباشر على المفتي أحمد قبلان ومن يمثل عن سقوط صيغة 1943 والميثاق؟! وهل في الكلام أبعاد لمن يسعى إلى المثالثة التي يُحكى عنها عند كل استحقاق؟!

وقال الراعي: "لبنان كان منفتحاً على كل الدول شرقاً وغرباً ما عدا إسرائيل التي احتلت أرضنا، ولذلك كان سويسرا الشرق، اليوم بات لبنان منعزلاً عن كل العالم لكن هذه ليست هويتنا، بل هويتنا الحياد الإيجابي والبنّاء لا المحارب".

وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة عن ضرورة تحويل كلام البطريرك إلى قاعدة وطنية للحوار حول القضايا الكبرى، وهذا التماهي بات بابا يراد الدخول منه على حزب الله ودوره في لبنان والمنطقة. ولكن أين الحزب من كل ما جرى ويجري، خاصة بعد كلام وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في نفس السياق، حيث أعلن أن صندوق النقد الدولي سيوفّر التمويل اللازم للحكومة اللبنانية إذا قدّمت برنامجا إصلاحيا. وقال: "المطلوب وقف الفساد والمطلوب حكومة غير خاضعة لتأثير حزب الله الإرهابي، وعندما تظهر هكذا حكومة، سيساعد العالم وصندوق النقد لبنان، للتوصل إلى خطة إصلاح ترضي اللبنانيين". وهذا موقف الادارة الأمريكية الحالية والمقبلة.

وكأني بالوزير الأمريكي يتقاطع مع أمين عام جامعة الدول العربية للوصول إلى تحول ما في لبنان، تمهيدا لحل يُرسم برعاية سعودية، حيث مربط الفرس ومفتاح الحل، والذي عنوانه الحياد الإيجابي. فالشقيقة الكبرى بيدها الضوء الأخضر للمساعدة، وإلا الانتظار حتى متغير جديد في الإقليم أو العالم.

الحياد مطلب الجميع ماذا عن حزب الله؟

ومن الواضح أن الحياد هو مطلب دولي وأوروبي وعربي، كما قال البطرك الراعي. وأضاف: "نحن نطالب بالحياد، أي التزام السلامة والعدالة وحقوق الإنسان، وهذا الجسر بين الشرق والغرب، هذه الأرض لم تعرف سوى مد الجسور مع الآخرين ولا يمكننا معاداة جميع الشعوب فلنعد لطبيعتنا"، مؤكداً "إننا نريد العودة إلى أنفسنا لا أن نكون مرتبطين بأحد"، وتابع: "النضال مسؤوليتنا جميعاً ليستمر لبنان الرسالة والنموذج".

إن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يوافق صاحب الشأن الأساسي والمحوري في كل ما يدور (وأعني حزب الله) من كل الطروحات حول الحياد المدعو له، وصياغته ومن يصيغه والمطلوب من ورائه؟

هل يرغب حزب الله في تحييد منظومته القائمة عن الصراعات في المنطقة؟ وتاليا، ما هو المقابل الذي يُرضي الحزب للدخول في هكذا بازار؟

في المقابل، تشير المعلومات الصحفية إلى أن حزب الله يرفض أي تحييد للبنان ويعتبر أن مثل هذه الدعوات تصبّ في خدمة إسرائيل والسياسة الأمريكية، كما أنّها جزء من الضغوط التي تمارس في الوقت الحاضر على لبنان.

إن واقع الحل يقول إن أيا من المعادلات والمبادرات السياسية لم تعد تسري في الحياة السياسية دون مناقشتها فعليا مع حزب الله الذي يمسك الحياة اللبنانية برمتها، بفعل عدة عوامل على الأرض؛ تبدأ من القرب من الرئاسة والقدرة الفاعلة في الحكومة والفاعلية في القرارات الاستراتيجية التي تمس منظومته في أكثر من نصف المجلس النيابي، ناهيك عن القدرة التجييرية على الأرض، حيث لا تزال كلمته نافذة رغم الوجع الذي يلحق ببيئته وحاضنتها.

بكلام واضح، لقد سقطت قبل فكرة الحياد الحالية عدة مفاهيم مشابهة ولغاية واحدة. وللتذكير؛ منها سياسة الناي بالنفس في حكومات خلت، وأدى الاختلال في تنفيذ مفهوم النأي بالنفس إلى الإطاحة بالحكومة الحريرية من الرياض قبل العودة عن الاستقالة التزاما بالنأي بالنفس، كذلك إعلان بعبدا الشهير الذي لم يبق منه سوى اسمه في عهد الرئيس ميشال سليمان.

إن الحياد ومفهومه في لبنان يحتاج إلى تفسيرات جمة، ولكل مكون طائفي تفسيره الخاص بما يتفق وهواه لإدارة البلاد. ولا أعتقد أن الواقع الاقتصادي والمالي والنقدي والاجتماعي اللبناني يحتمل مماحكة الوقت وتسويفه في زمن تحول فيه أمريكا دون دعم العرب والفرنسيين تحديدا للبنان، ناهيك عن الحرتقة (اللعب) حول دور القوات الدولية العاملة في لبنان، والتي قوامها ما يفوق 10 آلاف جندي (اليونيفيل)، وبقائها ومهامها، في رسالة إلى الحكومة والمؤسسات الأمنية.

هنا ترسم بداية الحل.. ربما!

إن التماهي بين صورة الدولة (رئاسة وحكومة ومجلسا) وحزب الله باتت أداة إزعاج للمجتمعين العربي والدولي، فأصبحت إمكانية الفصل بينهما مشكلة كبرى؛ عند حلها يبدأ الحل لمعضلة لبنان على كل الصعد: عربيا عبر الشقيق الأكبر (السعودية) ودوليا عبر الأم الحنون (فرنسا) وبغطاء أمريكي. ولكن أين دور طهران من ذلك؟ وكم ستكلف عملية التسهيل لبنانيا لإيران في سوق السياسة المفتوح حتى الانتخابات الأمريكية القادمة؟ علما أن قانوني قيصر وماغنتسكي كفيلان بزعزعة كل ما تود الحكومة اللبنانية البناء عليه إذا ارادت الإدارة الأمريكية ذلك؟!

في زمن الحياد المنشود والموعود، والمفتاح الضائع الموجود والمعروف للحل في لبنان، لم تعد حبة الباندول (مسكن ألم الرالراس البسيطة) تستطيع معالجة مريض السرطان.