قضايا وآراء

بين تطرفين.. ما العمل؟

1300x600
ما علاقة الطقوس الدينية في حدث من نوع نقل سفارة؟ ولماذا يجري اختيار رجال دين، معروفين بتطرفهم ومعاداتهم للإسلام للقيام بهذه المهمة؟ وقبل ذلك كان رجال الدين في روسيا قد ذهبوا إلى مباركة الطائرات التي ستقوم بقتل الأطفال في سوريا!

كان الأجدر بإدارة دونالد ترامب ألا تقدم على القيام بإجراء إشكالي، يقع على خطوط التماس بين الأديان الكبرى في المنطقة، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ذات الرمزية الخاصة لدى المسلمين، ما يعني إلغاء للسياسة؛ وأن التفاوض في سبيل إيجاد حل للصراع بين اليهود والعرب في فلسطين.. على ماذا سيجري التفاوض إذن؟ على إعطاء الفلسطينيين من كيسهم؟ حتى هذه لا تبدو أنها واردة في معجم بنيامين نتنياهو وطاقمه الحكومي المتشدد.

ليست سياسة تلك التي رأينا مخرجاتها في القدس، بل هو لقاء متطرفين عقائديين: حكومة نتنياهو التي تريد تحويل فلسطين إلى دولة يهودية نقية، على حساب ملايين العرب، ليس أولئك الذين تم تهجيرهم على مراحل تاريخية سابقة، بل الذين لا زالوا يعيشون في الجليل وحيفا ويافا.. وإدارة ترامب؛ التي يؤمن جزء كبير من أركانها بأن المسيح سينزل على الأرض في اللحظة التي يهاجم البربر (والمقصود هنا العرب والمسلمون) إسرائيل ويقضون على اليهود بشكل كامل، كما تقول رواية هرمجدون. ولتسريع حصول هذه النبوءة، لا بد من تحفيزها وتزويدها بالمحركات اللازمة لتشغيلها.

وفي ظل هذه الرؤية، لن تظهر للأمريكيين المذبحة التي ارتكبتها إسرائيل بحق أهل غزة، سوى كحدث عابر في الطريق إلى هرمجدون، هناك حيث تغوص سيقان الخيول بالدم، فأي معنى لقتل ستين غزيا أو جرح بضعة آلاف؟

يتلاقى هذا التطرف الأصم، مع عملية التجريف القائمة في سوريا، التي لا تبتعد عن الجانب الديني، بل تتأسس عليه. فالكنيسة الأرثوذكسية تبنت حرب فلاديمير بوتين على السوريين وباركته، واعتبرت العملية حماية للمسيحية مما تعتبره إسلاما متطرفا، كما تقاتل إيران في سوريا على أسس طائفية متطرفة، تهدف إلى الثأر من أحداث تاريخية.

لا يعني ذلك أنه ليس للفاعلين الأساسيين في أحداث المنطقة، ترامب ونتنياهو وبوتين والخامنئي، أهداف سياسية واستراتيجية، وطموحات سلطوية، ومشاكل وأزمات داخلية، وأنهم يسعون للهرب منها عبر اختلاق هذه الأزمات، لكن الإشكالية تكمن في تحميلهم للأحداث بعدا دينيا، مستخرجين أسوأ ما في عقائدهم الدينية من تطرف وتزمت، ومستغلين الظرف الذي يمر به المسلمون نتيجة ظهور بعض التيارات المتطرفة، التي يبدو أنها صنعت مزيجا من كراهية المسلمين واستباحة حقوقهم ووجودهم.

خطاب ترامب، الذي جرى بثه عبر الفيديو للتهنئة بحدث نقل السافرة، والذي قال فيه: "هذا يوم عظيم لإسرائيل"، يشبه خطاب الجنرال غورو أمام قبر صلاح الدين" ها قد عدنا يا صلاح الدين"، ففي هذه اللحظة الدرامية المكثّفة، كان الشخصان ينطلقان من وعي ديني، أكثر منه تعبير سياسي، ولا يبتعد كثيرا عن خطاب أتباع إيران في شوارع دمشق التي يهددون بحرقها، ربما انتقاما من رمزيتها وتاريخها.

لكن ألا تنطوي هذه الأفعال على عنصر استسهال واضح؟ فلو كان العرب على درجة من القوّة لما تحوّل حدث نقل السفارة الأمريكية إلى احتفال بالنصر؛ تستهتر فيه إيفانكا كوشنر بمشاعر مئات الملايين، ولما صرخ ذلك الشويعر الشيعي في شوارع دمشق مهددا أهلها بالحرق والقتل، تماما مثلما اختار غورو الفرنسي لحظة ضعف هائلة، يمكن وصفها بجدارة بمرحلة "انحطاط القوّة" ليبشر صلاح الدين بالعودة المظفّرة للمشرق العربي.

لا شك في أن انتظار العرب إلى حين صناعة عناصر القوّة وفرض هيبتهم، أمر لا قدرة للفلسطينيين والسوريين على انتظاره، ما دامت مشكلة صغيرة بين دولتين عربيتين قد يستغرق إيجاد حل لها سنوات وسنوات، في حين يتعرض أهل الشام والقدس لحرب شعواء تستهدف وجودهم وتستعجل إنجاز هذا الهدف، لإدراك القوى التي تحركها أنها إزاء فرصة نادرة، لا تقتصر فقط على ضعف العرب، وإنما أيضا انحطاط السياسة الدولية إلى أبعد الحدود.

وبناء على ذلك، يراهن عرب الشام والقدس، على صراع المتطرفين أنفسهم، وعلى حرب تقع بينهم، تضعفهم وتجعلهم ينكفئون عن طموحاتهم باقتلاعهم وقتلهم، أو على الأقل تؤجلها، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.