قضايا وآراء

ديبورا وبوشنل: غزة عنوان إنساني

غازي دحمان
"ديبورا وبوشنل نمطان جديدان من موجة بدأت بالظهور"
"ديبورا وبوشنل نمطان جديدان من موجة بدأت بالظهور"
طرحت الأمريكية التي تم انتشالها من تحت أنقاض بناية دمرتها الطائرات الإسرائيلية في دير البلح؛ سؤالا لطم ضمائر الهانئين في منطقتنا، الذين اعتقدوا أنهم فعلوا ما بإمكانهم لنصرة غزة، ويحق تاليا مكافأة أنفسهم ربما بوجبات شهية من موائد رمضان، ومتابعة ما تعرضه الفضائيات من مسلسلات وحتى إعلانات مسلية: إلى أي حد يمكن أن نتضامن مع غزة وكيف؟

ترى ما الذي يدفع ديبورا الأمريكية وقبلها مواطنها آرون بوشنل إلى مغادرة حالة الرخاء التي يعيشان في ظلها؟ فبوشنل يخدم في القوات الجوية ويحصل على ما يكفيه للعيش ببحبوحة، وديبورا واضح أن لديها دعة مالية بدليل أنها تستأجر منزلا، ولديها القدرة على العيش خارج وطنها من إمكانيتها الذاتية.

لا جواب سوى أن ما يحصل في غزة، يلطم الضمير الحر في العالم، ويولد إحساسا ما فوق قومي أو عرقي وثقافي، إحساس يرفض إهانة الكرامة البشرية، إلى الحد الذي أظهرته إسرائيل في حربها على أهل غزة، يرفض منطق النفاق الدولي الذي أظهرته ردود الفعل الرسمية الدولية، ويوجه رسالة صريحة لعالم تحكمه القيم السائدة الآن، التي تكشّف عجزها إلى درجة الفضيحة،
ما يحصل في غزة، يلطم الضمير الحر في العالم، ويولد إحساسا ما فوق قومي أو عرقي وثقافي، إحساس يرفض إهانة الكرامة البشرية، إلى الحد الذي أظهرته إسرائيل في حربها على أهل غزة، يرفض منطق النفاق الدولي الذي أظهرته ردود الفعل الرسمية الدولية، ويوجه رسالة صريحة لعالم تحكمه القيم السائدة الآن، التي تكشّف عجزها إلى درجة الفضيحة، رسالة يقول أصحابها؛ إننا نتبرأ من هذه القيم، ونغسل أنفسنا من درنها.
رسالة يقول أصحابها؛ إننا نتبرأ من هذه القيم، ونغسل أنفسنا من درنها بالنار مرة كحالة بوشنل، وبالإصرار على تحدي آلة الموت الصهيونية عبر البقاء في مواجهة طوفان نارها المجنونة.

ديبورا وبوشنل قد يكون لديهما صور نمطية عن العرب والمسلمين، رسختها ماكينة إعلامية تشتغل منذ عقود على صناعتها، وهما بالمناسبة شخصان عاديان شكلت ثقافتهما وقيمهما منظومات الثقافة والإعلام في الغرب، التي طالما كانت ظالمة تجاه شعوب العالم الثالث، وطالما صاغت بنية متكاملة من التمييز ضد هذه الشعوب، التي تريد القضاء على حضارة الغرب، أو على الأقل تشعر بالحسد تجاه تلك الشعوب وتتمنى العيش مثلها، بل وتتقمص أشكال مواطنيها ولون شعرهم وعيونهم.

لكن رغم ذلك، فإن كثرا من أبناء تلك المجتمعات عبّروا بطرق مختلفة عن إحساسهم، وعلى عكس مواقف نخب السياسة والإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، خرج العديد من مواطني هذه البلدان في مظاهرات ضخمة وعرضوا أنفسهم للمخاطر، وصرخوا بحرقة وألم وأمل: الحرية لفلسطين.

المعنى الأكيد لكل ذلك، أن ما يجري في غزة ضد شعبها، ما هو إلا إهانة لكل ضمير حي، وإقرار من جزء معتبر من شعوب الأرض أن هؤلاء المجانين الذين يديرون هذه الحرب الشعواء ضد أطفال ونساء غزة، ويظنون أنهم أنبياء هذا الزمن، يحق لهم أن يهندسوا الكون على هواهم؛ ما هم إلا نوع من البشر المنحطين لا يختلفون عن أفراد العصابات المنبوذة والمحتقرة، وأن إسرائيل نفسها بوصفها الكيان الذي يصدر هذه النماذج، أصبحت جهة مشكوكا بانتمائها لقيم التحضر والإنسانية، وآن الأوان للاعتراف بهذه الحقيقة، والخروج من عقدة المحرقة التي تبتز بها العالم طوال العقود الماضية.

ديبورا وبوشنل، نمطان جديدان من موجة بدأت بالظهور، صحيح أنه عبر التاريخ كان هناك تعاطف مع فلسطين وقضيتها، وخاصة في أوساط اليسار العالمي، لكن الفارق هذه المرة أن هذا التعاطف ليس مؤدلجا ولا مسيسا أو صادرا عن نخب بعينها، بل عن شرائح في الغالب كانت مغيّبة، أو في أحسن الأحوال خارج نطاق الاهتمام بالقضايا العالمية. وميزة هده الأنماط الجديدة من المتعاطفين، تتمثل بابتداعهم طرائق وأساليب ملفتة ومؤثرة للتعبير عن تعاطفهم.

ربما أهم ما في حرب غزة، أنها أعادت التوازن للذات الإنسانية لدى شرائح عديدة من المجتمعات العالمية وتحديدا في الغرب؛ بعد سيطرة السردية الصهيونية لعقود طويلة على الضمير الغربي، لذلك شاهدنا كثرا خرجوا على برامج السوشيال ميديا، يعلنون عن اعتذارهم للفلسطينيين عن السذاجة التي كانوا يعيشون في كنفها وتحت ظلال خداعها، عن شعب متوحش وشعب متحضر ومظلوميات معكوسة، نعم كشفت الحرب على غزة كل هذا الزيف، وكشفت حقيقة مواقف ومواقع الفاعلين، وزيف المنظومات القيمية السائدة، مثلما كشفت أن هناك رواية أخرى تستحق أن تتم قراءتها بتفهم وروية وذهنية جديدة

ديبورا وبوشنل، نمطان جديدان من موجة بدأت بالظهور، صحيح أنه عبر التاريخ كان هناك تعاطف مع فلسطين وقضيتها، وخاصة في أوساط اليسار العالمي، لكن الفارق هذه المرة أن هذا التعاطف ليس مؤدلجا ولا مسيسا أو صادرا عن نخب بعينها، بل عن شرائح في الغالب كانت مغيّبة، أو في أحسن الأحوال خارج نطاق الاهتمام بالقضايا العالمية. وميزة هده الأنماط الجديدة من المتعاطفين، تتمثل بابتداعهم طرائق وأساليب ملفتة ومؤثرة للتعبير عن تعاطفهم؛ محتواها أن عذابات أهل غزة تمس الضمير البشري، وهي قضية خاصة لكل فرد في هذا الكون، لا يجب أن يتم تركها لإسرائيل تهندسها مثلما تريد.. ألم تقل ديبورا؛ إنها لن تخرج من غزة وتتركها لإسرائيل؟

twitter.com/ghazidahman1
التعليقات (0)