مدونات

تديُّن مغشوش قبل الثورات وبعدها

أبو بكر بلال
تعمدت بعض الأنظمة القمعية الزائلة في عقود خلت الإشراف على نشر وطبع الكتيبات ذات الموضوعات الغيبية، كالسحر والجن وعذاب القبر والنار والجنة، والتي تمعن وتتعمق في صفاتها وأوصافها محشوة بضعاف الأحاديث وموضوعها، مملوءة بما روي عن بني إسرائيل؛ ذلك رغما عن محاربة هذه الأنظمة لكافة أشكال التدين ورص السجون والزنازين بالشباب المقبل على ربه.

بعض النخب فسرت هذا السلوك المتناقض بإبعاد الشباب عن الحياة واقتصار تفكيرهم على ما ينتظره من ثواب أو عقاب، وتحصين نفسه ضد خطر الجن والسحر والشعوذة، حتى لا تحدثهم أنفسهم بمزاحمة أرباب السلطة سلطتهم بإصلاحها أو بإسقاطها.

لا بأس أيضا من حملات بين الفينة والأخرى ضد هذا النوع من التدين الذي يرى أن التدين أخروي لا علاقة له بالحياة؛ إذ إن الشباب الذين يمثلون هذا النوع، حتى وإن ملئت بهم السجون، سيظل تفكيرهم مقتصرا على هذا الجانب الذي تلقفوه خارج أسوار السجون، إلا إذا وجدوا في مدرسة يوسف عليه السلام من يصحح لهم هذا الفهم ويبين لهم حجم الشراك التي وقعوا فيها.

فشلت كل هذه المحاولات بمقدم ثورات الربيع؛ لكن ما إن كشرت الثورة المضادة عن أنيابها، فنجحت في أقطار وحاولت جاهدة في أقطار أخرى، رأينا أن هذا المنهج الذي انتهجته أنظمة الاستبداد فيما مضى قد انتهج مجددا من قبل الاستبداد الجديد.

نجد أن هذا النوع من التدين تنتشر كتبه ومطوياته في المعارض والمكتبات وعلى الأرصفة وقارعات الطرق، فيما يتم التضييق على كتب ما يسمى بالإسلام السياسي، ولعل في هذه التسمية العدائية ما يغني عن أسباب المنع والتضييق.

وبسبب الأجواء السياسية المحتقنة والأوضاع الاقتصادية المنهارة، ومناظر الدماء والقتل والعنف وشيوع الكراهية في المجتمعات التي أحدثتها هزات الثورة المضادة، فقد رأينا لها ارتدادات نفسية كان آخرها حالات الانتحار المتعاقبة في ليبيا وتحديدا في مدينة البيضاء.

وبدلا من أن تتجه السلطات الاستبدادية التي استولت على الشرق الليبي إلى الوقوف على هذه الظاهرة ومعرفة أسبابها وتوصيف العلاج النفسي الناجع لها، فإنها قد أبرزت لنا خريجي جامعة النظام القمعي في تخصص التدين المغشوش الذين شرعنوا لهم الانقلاب والاستبداد والدماء، ليَرجعوا بنا إلى منهجهم الأول الذي التقطوه فترة حكم النظام السابق وليُرْجعوا هذه الظاهرة إلى أسبابها الغيبية من الجن والجنون والسحرة والسحر والشعوذة والمشعوذين.

كل ذلك من أجل الهدف ذاته الذي أرادت أنظمة الاستبداد الزائلة الوصول إليه، وهو ألا ينقلب الناس على أجواء استمرؤوها وسلطة تقبلوها فاكتشفوا أنها تقف متعمدة خلف ظاهرة الموت.