قضايا وآراء

العلاقات الأمريكية الصينية إلى أين؟

1300x600
الحرب الأمريكية الصينية أو التنافس الاقتصادي بين بكين وواشنطن، سمها ما شئت وقل حولها ما شئت من مصطلحات، إلا أن الحقيقة التاريخية تقول بأننا أمام مسلسل عرضت منه عشرات الأجزاء وعلى مدى عقود من الزمن، حتى إن المؤلف وصاحب السيناريو لم يجد ما يكمل به الجزء الأخير من حلقات المسلسل الأمريكي الصيني، فكل شيء متكرر أو عرض سابقا؛ من وجود رئيس أمريكي على أعلى هرم السلطة في البيت الأبيض يهدد الصين في حال غزوها جزيرة أو دولة تايوان، مرورا بمشاهد المسؤولين الصينيين وهم يتوعدون باستعادة "تايوان الصينية"، وصولا إلى مرور الطائرات المسيرة الصينية فوق أجواء تايوان، ناهيك عن استمرار المفاوضات بين الطرفين من خلال لجنة المفاوضات الأمريكية الصينية التي انعقدت مؤخرا في بكين.

فالأمر ليس بالجديد أن يطلق رئيس أمريكي مثل جو بايدن تهديدات للصين، مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية ستحمي تايوان وتتدخل في حال تعرضت للغزو، كما أنه ليس بالغريب أن تكون ردة فعل السلطات الصينية ضعيفة جدا، مقارنة بالتهديدات التي سبقت زيارة رئيس مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى "تايوان"، في خطوة ظن الجميع يومها أنها الشرارة التي ستطلق الحرب الصينية- الأمريكية المباشرة لأول مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين، المتحكمين في جزء كبير من اقتصادات العالم.

فالمتتبع لتاريخ الصراع الأمريكي الصيني، سيلاحظ أن العلاقات بين بكين وواشنطن مرت بمراحل من الشدة والرخاء والتنافس والتضامن والحروب السياسية الدعائية أحيانا، والتعاون والتبادل التجاري تارات أخرى، علاقات ظلت فيها قضية" تايوان" الورقة الرابحة، التي تستخدمها السياسة الأمريكية، كما عودتنا، في جميع صراعاتها مع خصومها، من الاتحاد السفييتي سابقا وروسيا حاليا وإيرن، وحتى في منطقة الشرق الأوسط ذات الكنوز النفطية.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدول التي أقبلت على الصين في بدايات ما يعرف بتاريخ الاستعمار الأوروبي وتحديدا في العام 1899، حيث اعتمدت سياسة سميت يومها بسياسة "الباب المفتوح"، أي الصين المنفتحة على الجميع سياسيا واقتصاديا، وبدأت العلاقات بين البلدين في أزهى فتراتها حتى عام 1919، تاريخ مؤتمر باريس الشهير وما حدث يومها على يد الرئيس الأمريكي حينها وودرو ويلسون، الذي قام بالمصادقة على معاهدة تم بموجبها منح جزيرة "شاندونغ" التي كانت تستعمرها ألمانيا إلى اليابان، وهو ما أثار غضبا صينيا وخيبة أمل كبيرة من حليفتها الكبرى، الولايات المتحدة الأمريكية.

ثم جاءت الحرب الكورية ما بين 1950 و1953 التي شاركت فيها الصين والولايات المتحدة الأمريكية عن بعد، وتسببت في غضب أمريكي كبير، أدى إلى عزل الصين بعد دعمها للشيوعيين الفيتناميين ضد الولايات المتحدة الأمريكية، فكان ذلك الموقف بمنزلة القشة التي قصمت ظهر العلاقات بين البلدين، إلى جانب اختيار الصين حلف الاتحاد السوفييتي على حساب حلف واشنطن، وهو اختيار لا يزال مستمرا إلى يومنا هذا. ثم جاءت أزمة تجربة الصواريخ البالستية الصينية في تايوان عام 1996 لتزيد القوم فرقة وصراعا، ويشهد العالم اليوم أزمة بين قوتين من أكبر قوى العالم وأهمها من ناحية التعداد السكاني والثقل الاقتصادي.

وإلى جانب قصص الصراع التاريخي ومراحل من العلاقات سيئة، فإن العلاقات بين البلدين شهدت مراحل من الزهو والتطور والتحسن، كان أبرزها في العام 1979 على يد الرئيس جمي كارتر، الذي منح الصين يومها اعترافا تاريخيا بالسيادة على جزيرة "تايوان"، معترفا بالصين الواحدة، كما يحسب لواشنطن وقوفها إلى جانب الصين ضد اليابان في ما يعرف تاريخيا بـ"حرب المحيط الهادئ"، ودعمت واشنطن الزعيم الصيني شيانغ كاي شيك في الأربعينيات من القرن الماضي، ضد أمراء الحرب المحليين في ما يسمى "المسيرة نحو الشمال"، إلى جانب تقديم مساعدات غذائية لبكين في عهد الراحل روزفلت.. تلكم أحاديث التاريخ، فماذا عن الحاضر؟

في الوقت الراهن، تمر العلاقات الأمريكية الصينية بمرحلة من التوتر طبيعية جدا، فلا يمكن فصلها عن الصراع بين أمريكا وروسيا والحرب الدائرة في أوكرانيا. فبعد عزل العالم لموسكو ومقاطعتها بسبب الحرب على كييف، وقفت الصين في ظهر نظام بوتين ودعمته، وأعادت له الحياة سياسيا على الأقل، وهو دفع بالبيت الأبيض للرمي بورقته الرابحة "تايوان"، كنوع من الضغط على الصين، عله يسهم في تراجعها عن التحالف مع الروسي، والانضمام للتحالف الدولي ضدها.

إلى جانب الحرب الروسية- الأوكرانية والعلاقات الصينية الروسية، لا يمكن إهمال أن العالم لا يزال يعيش تداعيات أزمة كورونا الاقتصادية، وما تسببت به الجائحة من خراب اقتصادي بالنسبة للبلدين الكبيرين، وهو ما جعل كل طرف يحس بضعف الآخر، ويسعى لاستفزازه للخروج بمكاسب سياسية واقتصادية. وهذه سياسة أمريكية اعتدنا عليها منذ عهد الرئيس روزفلت ووصولا لجو بايدن، سياسة استفزاز الخصوم بأوراق السيادة الوطنية والجزر المتنازع عليها، وهي سياسة تعتمد على خطب نارية يلقيها رئيس أقوى دولة في العالم، وترد الصين عليها بالشجب والانتقاد والتهديدات والتلميحات وأحيانا الاستفزاز الجوي لجزر تايوان،

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تلك القوة التي تخيف الصين وغيرها، ولم تعد سيدة العالم المتحكمة المنفردة، بل ظهرت قوى قديمة متجددة مثل روسيا والصين، ولا يتوقع في النهاية أن نشاهد حربا مباشرة بين الطرفين، فكلا الطرفين لا غنى له عن وجود الآخر، فإذا كانت واشنطن قوة عسكرية وسياسية، فإن الصين قوة اقتصادية وشعبية ولها باع كبير اقتصادي وتجاري خاصة في الولايات الأمريكية

والجميع الآن بانتظار المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصين المرتقب، الذي ينتظر أن يخرج بالعديد من السياسات والتوصيات، التي سيكون لها تأثير كبير على مسار العلاقات بين واشنطن وبكين.