كتاب عربي 21

تقسيمُ الشعوب مدخل لتأبيد الاستبداد

1300x600

لا يزال حصاد الموجة الثورية الأولى غنيا بالخلاصات والعبر والمضامين التي لا تنضبُ مَعيناً ضروريا لمنع جفاف الموجات القادمة حتى تبلغ مداها وتحقق ما عجزت عنه الموجة الأولى.  ليس من المبالغة القول بأنّ كل التطورات الجارية في المنطقة مشرقا ومغربا إنما تتشكل في جزء كبير منها كردّة فعل على الموجات الثورية التي عرفتها المنطقة منذ أواخر سنة 2010 في تونس ولا تزال الهزات الارتدادية تتشكل هناك وهناك فتنبّه الحاكم إلى التعجيل بخلق أدوات تمنع انطلاق موجة ثانية محتملة.
 
يتأسس هذا القول على تجدد شروط الموجة الأولى من استشراء القمع والظلم والفقر داخليا وتمدد الأزمات العالمية مدفوعة بآثار الجائحة والحرب الروسية الأوكرانية التي أيقظت المخاوف من إمدادات الغذاء وندرة مصادر الطاقة وسباق التسلح. بالتالي لن تكون البلاد العربية في مأمن من التأثيرات الخارجية والأزمات العالمية وهي البلاد التي تعوّل حتى في خبزها على بواخر القمح القادمة من وراء البحار.

كيف انفجرت الثورات؟

لعلّ من أهمّ الدروس المستخلصة من الموجة الثورية الأولى في 2010 أنه توفر لها شرط أساسي لا تريد "النخب العربية" المزيفة الخوض فيه بل إنّ هذه النخب التي أوصلتها الثورةُ إلى السلطة تتحاشى دائما إثارة السؤال المركزي كيف انفجرت الثورات ؟ ومتى حدث ذلك؟
 
لا نقصد بسؤال التوقيت الزمنَ الذي اندلعت فيه الثورات أي السابع عشر من آخر شهر سنة ألفين وعشرة الميلادية في مدينة سيدي بوزيد التونسية بل نقصد به اللحظة الاجتماعية والسياسية الفردية والجماعية التي أشعلت جذوة المطالبة برحيل الأنظمة في مصر وسوريا وليبيا وغيرها. تحقق لهذه اللحظة الانفجارية شرط أساسي نعتبره مركزيا لا في انطلاق الثورة العربية فحسب بل في تمددها وانتشارها ونجاحها في تحقيق مطلب الشارع الأساسي وهو إسقاط النظام القائم. لا نعني بإسقاط النظام إسقاط الحالة السياسية التي هي رئته التي يتنفس بها فهذه الرئة بقيت سليمة فاستعادت روح النظام بعد ذلك عبر الانقلابات ولكن نعني الواجهة السياسية للسلطة القائمة.
 
هذا الشرط يتمثّل في الوحدة الشعبية القاعدية على مستوى المجتمع عندما أيقنت الجموع أنّ الفساد والقمع والتهميش والظلم قد بلغ منتهاه ووصل إلى نقطة النهاية. أي أن الوعي القاعدي لا الحزبي بلغ مرحلة متقدمة من الوحدة والاندماج وقد تحقق ذلك بفضل غياب النخب السياسية عن الساحة العربية بشكل واضح.
 
في تونس مهد شرارة الفعل الثوري انطفأت شعلة المعارضة وتحولت الأحزاب السياسية إلى دكاكين بائسة لا تؤثثها إلا وجوه شاحبة من البوليس السياسي المتلحف بعباءة المعارضة والنضال خاصة من المدارس اليسارية والقومية واللبرالية. أما الإسلاميون فقد استهلكتهم المنافي وظنوا أنّ الاستبداد قدر هذه الأوطان وأنّ "بن علي" سيكون بلا شك رئيسا في 2014 بعد أن استتب له الأمر تماما هناك. بل منهم من عاد إلى تونس طالبا الصفح من المستبدّ معترفا بذنبه في معارضته وهو نفس منوال التراتبي لتمرير السلطة في ليبيا مع سيف الإسلام وفي مصر مع جمال مبارك وفي سوريا مع بشار الأسد.

 

كيف كانت النخب العربية والأحزاب السياسية وجمعيات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية وكل المجال الرمزي للسلطة تمثل حزام أمان الاستبداد العربي في سباقه المحموم نحو التأبّد؟

 



إنّ انطفاء أحزاب المعارضة السياسية ونخبها خاصة بعد عشرية الحادي عشر من سبتمبر والحرب الأمريكية على الإرهاب قد أوصل الأنظمة العربية إلى أعلى درجات الاستبداد والقمع. وهو الأمر الذي ألغى من الساحة كل الحواجز الأيديولوجية والحزبية بين الفرقاء ووحّد بشكل غير مقصود قاعدة الرفض الاجتماعي والحنق الشعبي.
 
إنّ هذه المعادلة الفيزيائية بين ارتفاع منسوب القمع من جهة وسحق المعارضة العربية من جهة ثانية هو الذي كسّر الحاجز السميك الذي كان يحمي النظام من المواجهة المباشرة والمفتوحة مع الشعب. لم يكن النظام الرسمي العربي يعلم أنّ القضاء على كل المعارضة والنخب الانتهازية المرتبطة بها سيعرّيه من كل مصادر الحماية التي كانت تمنع عنه أمواج الغاضبين. 

فرّقْ تسدْ.. أوّلا وآخرا 

كيف كانت النخب العربية والأحزاب السياسية وجمعيات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية وكل المجال الرمزي للسلطة تمثل حزام أمان الاستبداد العربي في سباقه المحموم نحو التأبّد؟

تمثل هذه الفضاءات أو الأذرعُ القوةَ الناعمة لكل نظام سياسي في مقابل القوة الصلبة ممثلة في الجيش والشرطة. لذا يحرص الحاكم على توظيف هذا الفضاء وتطويعه لصالحه سواء كان ذلك في نظام ديمقراطي من أجل سيادة الدولة أو في نظام استبدادي من أجل سطوة النظام لا الدولة.
 
وهي في الحالة الاستبدادية تتحرك عبر اتجاهات كثيرة أهمها اتجاهان وهما العمل على امتصاص الغضب الشعبي عبر التعبير عنه نيابة عنه من جهة وخلق حالة من الانقسام القسري داخل المجتمع. تعبّر الأحزاب والنقابات والجمعيات عن مطالب باهتة خلال الحالة الاستبدادية لكنها بالتنسيق مع النظام نفسه لا تقترب من اتهام النظام وتوريطه أو المطالبة برحيله وهو ما يضمن لها حرية العمل والحركة تحت عين السلطة. ولا نقصد بالانقسام حالة التنوّع والاختلاف الموجودة في كل المجتمعات وبين كل النخب والأحزاب في كل الديمقراطيات لكنها حالة من الانقسام الأقرب إلى التمزق الأيديولوجي والطائفي والقبلي التي أبدعت أجهزة المخابرات العربية في صيانتها وتمويلها عملا بمبدأ فرّق تسدْ.

كانت الحروب الطاحنة بين الإسلاميين والقوميين من جهة وبين الاسلاميين واليساريين اللبراليين من جهة ثانية طابعا أساسيا وسم المشهد العربي خلال عقود. فبدل توحّد هذه القوى وتوحيد المجتمع من ورائها لتحقيق شرط الحرية والسيادة والكرامة الوطنية انبرت تتقاتل وتقسّم المجتمع وتشتت جهوده فأنهكت قواه مدة طويلة من الزمن. لم يكن السؤال متعلقا بضرورة الاتحاد من أجل الخلاص من الاستبداد وتحقيق شرط الحرية الذي هو شرط شروط النهضة بل كانت الخلافات تدور حول الوحدة العربية والخلافة الإسلامية والصراع الطبقي ودكتاتورية البروليتارية والحداثة وما وراء الحداثة وغيرها من أحابيل نخب العار العربية. 

أنهكت هذه الصراعات المجتمع واستهلكت طاقاته وفتتت مكوناته وخدمت النظام الرسمي خدمة جليلة لكنها في العشرية الأخيرة التي تلت هجمات برجيْ التجارة العالمية في نيويورك واحتلال العراق انطفأت وصارت رمادا وهي اللحظة الحاسمة التي مهدّت للانفجار الكبير.

من القابلية إلى إدمان الانقسام

عند اندلاع الثورات بُعثت الروح فجأة في نخب المعارضة العربية وهي التي كانت تحلم طوال تاريخها بنصيب من كعكة السلطة التي حرمها منها الاستبداد. لم تكن أمواج المتظاهرين تدرك انها سلّمت حصيلة نضالاتها إلى عصابات جديدة ستعيد عن قصد أو عن غفلة الحياةَ إلى الوحش الذي أسقطته الجماهير منذ قليل حين قررت النخب القبول بقوى النظام الصلبة في المشهد الجديد وحين رفضت محاسبتها على جرائمها الممتدة عقودا من الزمن.
 
في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ الأمة استعاد النظام الرسمي شروط إحيائه وهو الذي شارف على الهلاك فامتصّ الصدمة الأولى ثم اخترق صفوف مكونات عديمة الخبرة بعمق الدولة العميقة وكان له ما أراد عندما انقلب على الثورات من داخلها. عاد الإسلاميون من المنافي وعاد المناضلون والحقوقيون فصاروا رؤساء ووزراء وسفراء ونوابا لكنهم عادوا محمّلين بشروط الانقسام القديم وببذور الصراعات التاريخية وهو ما كان يحلم به النظام الرسمي ويتمناه.
 
فجأة انقسم المشهد بعد أن وفّر له الإسلاميون خاصة كل شروط الانقسام فانشطر المجتمع إلى قسمين أساسيين : قسم مناصر للإسلاميين وقسم معاد لهم. كان الفريق الأول عديم الخبرة عديم الكفاءة جاهلا بأنفاق دولة العمق ودهاليزها تغلبُ عليه سذاجة الطيبين وبلاهة الزهاد والمتدينين وكان الفريق الثاني مسلحا بالخبرة عليما بدهاليز السلطة مستندا على آلة إعلامية جبارة وأموال خليجية لا نهاية لها ونفاق دولي بعمق الأطلسي.

 

ما لم ننتبه اليوم والعالم يشهد تغيرات عميقة وتحركات مريبة في المحيط والإقليم فإننا "سنبكي غدا كالنساء وطنا لم نحافظ عليه كالرجال" وستتجدد الأندلس بشكل أشد ألما وعسرا. لن يفوز أي فريق من المتخاصمين بل ستذبح الثيران واحدا بعد الآخر ما لم تنجح المجتمعات في توحيد صفوفها ولو بالقدر الذي يسمح لها بإيقاف النزيف وإنقاذ المركب من الطوفان الكبير القادم.

 



لكن الداعم الأساسي لقوى الثورة المضادة الذي لم ينتبه إليه الثوّار والذي حسم المعركة لصالح النظام الرسمي هو قابلية المجتمعات والشعوب العربية للانقسام والتشظي. هذه القابلية هي محصلة طبيعية لتراكمات عقود من تجريف الوعي وضرب القيم ومحاربة الأخلاق بما هي عماد الفرد والأسرة والجماعة. لم تكن الثورات حصيلة وعي مبنيّ على أسس صلبة وركائز ثابتة ومسار مدروس بل كانت أقرب إلى الانفجار العاطفي الناجم عن الغضب الشعبي وعن الاحتقان الاجتماعي. لم تكن الثورات حصيلة عمل النخب والأحزاب بل هي الجواب الطبيعي عن فشل هذه النخب وخياناتها فحين ظن النظام الإقليمي أن الأمر قد استتب له وأن الشارع العربي قد مات بعد موت المعارضة وخضوعها جاءه الجواب سريعا من حيث لا يدري فأطاح بأركانه في وقت قياسي.
 
عمِيت النخب العربية التي تسلمت السلطة وخاصة الإسلاميون عن هذه الحقيقة وهي تعتقد أنّ الأمر قد استتب لها وأن الاستبداد قد رحل دون رجعة فارتكبت نفس الخطأ القاتل الذي سقط فيه هو قبلها. تناحرت النخب وساد القتال بين الإسلاميين والقوميين واليساريين وشاركت في المعارك الطاحنة كل الأطراف من جامعيين ومثقفين ونقابيين وإعلاميين ورياضيين وفنانين ... والاستبداد واقف يتربص حتى جاءت فرصة الانقلاب وكان الذي نعلم جميعا في مصر وليبيا وسوريا وتونس.
 
لكنّ أخطر ما في المشهد اليوم هو منسوب الحقد الاجتماعي بما هو نتيجة طبيعية لأحقاد النخب ومدى كرهها لبعضها البعض الأمر الذي بلغ ببعضها درجة التآمر مع أعداء الأوطان في الخارج من أجل القضاء على شريك الوطن المخالف في الرأي والفكرة دون أي اعتبار للتضحية بالوطن وبأجيال برمتها.  هذا الحقد الاجتماعي تحوّل اليوم إلى حالة من الإدمان الفردي والجماعي التي تُنذر بعواصف خطيرة لا تنتهي إلا بحرب أهلية أو انهيار الأوطان وسقوطها تحت الوصاية الاستعمارية من جديد كما حدث في سوريا ومن قبلها في العراق.
   
ما لم ننتبه اليوم والعالم يشهد تغيرات عميقة وتحركات مريبة في المحيط والإقليم فإننا "سنبكي غدا كالنساء وطنا لم نحافظ عليه كالرجال" وستتجدد الأندلس بشكل أشد ألما وعسرا. لن يفوز أي فريق من المتخاصمين بل ستذبح الثيران واحدا بعد الآخر ما لم تنجح المجتمعات في توحيد صفوفها ولو بالقدر الذي يسمح لها بإيقاف النزيف وإنقاذ المركب من الطوفان الكبير القادم.