كتاب عربي 21

فرص عمل محدودة يوفرها الاستثمار الأجنبي المباشر عربيا

1300x600
تتباهى الحكومات العربية بأرقام الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إليها، وتعتبر ذلك بمثابة ثقة من الشركات الدولية باقتصاداتها، كما تستخدم تلك الاستثمارات الأجنبية المباشرة في خطابها الاقتصادي، باعتبارها أداة لزيادة الصادرات، ولتوفير المزيد من إنتاج السلع والخدمات محليا بما يساهم في تحقيق الاستقرار للأسعار محليا، واعتبار تلك الاستثمارات الأجنبية وسيلة لزيادة فرص العمل بما يقلل من معدلات البطالة.

لكن الصورة الحقيقية ليست كذلك في كل حالات قدوم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث أن كثيرا من تلك الاستثمارات لا تساهم في زيادة الصادرات أو إنتاج المزيد من السلع والخدمات أو في توفير فرص العمل، وربما تتسبب في بعض الحالات في خفض العمالة أو الإضرار بالصناعات المحلية!

وتبدو الصورة لدى عموم الناس عن الاستثمار الأجنبي المباشر، أنه الاستثمار الذي يأتي في صورة مشروعات جديدة منتجة، بينما الاستثمار الأجنبي غير المباشر يتمثل في شراء الأجانب لأوراق مالية من بورصة البلد، أو شرائهم لأدوات الدين الحكومي المطروحة في تلك البلد، وبما يشير في النهاية إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر أكثر إفادة من الاستثمار غير المباشر.

وهي صورة قد تبدو صحيحة في بعض الحالات، لكنها ليست صحيحة في كل الحالات، حيث تتضمن مكونات الاستثمار الأجنبي المباشر العديد من النوعيات، منها امتلاك الأجانب لنسبة 10 في المائة فأكثر في أسهم شركة محلية، وبالتالي فهذا لا يمثل ذلك إضافة لرأس مال الشركة المحلية أو لقدراتها الإنتاجية، فهو مجرد استبدال مالك لبعض الأسهم بمالك آخر.

نوعية الاستثمار أهم من الإجمالي

ومن المكونات أيضا الأرباح المحتجزة للأجانب، فمع تحقيق الشركة المحلية أرباحا يحصل ملاك الأسهم من الأجانب على حصتهم منها، والذين يقومون عادة بتحويل تلك الأرباح إلى بلادهم الأصلية، ولكنهم عندما يحتجزونها محليا يعد إضافة للاستثمار الأجنبي المباشر، لكنه على المستوى العملي فليس شرطا أن تتحول تلك الأرباح المحتجزة إلى إنتاج المزيد من السلع والخدمات، فربما تم توظيفها في شراء أدوات دين حكومية محلية ذات سعر فائدة مرتفع.

ونفس الأمر بالنسبة لزيادة رؤس الأموال المُصدرة كأحد مكونات الاستثمار الأجنبي المباشر، ومن هنا فإن الرقم الإجمالي للاستثمار الأجنبي المباشر يحتاج إلى تفصيل، بحيث يتحدد نصيب كل مكون لمعرفة مدى إسهامه الحقيقي في إنتاج المزيد من السلع والخدمات وفي توفير فرص العمل. ففي مصر على سبيل المثال تمثل الاستثمارات في قطاع النفط والغاز الطبيعي أكثر من 70 في المائة من مجمل رقم الاستثمار الأجنبي المباشر، وهو قطاع يوظف القليل من العمالة بالمقارنة بالمشروعات الأخرى.

وعادة ما تحدد الشركة الأجنبية نوع مشروعها حسب دراساتها الخاصة، وليس حسب أولويات احتياجات البلد الذي تتجه إليه، فربما تتجه لنشاط به تخمة محلية، كما تتركز في أماكن جغرافية في ذلك البلد حسب رؤيتها، وليس حسب خريطة أولويات التنمية الإقليمية بذلك البلد.

وكان التقرير السنوى الخاص ببيانات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر عن منظمة الأونكتاد، بعد أن يعرض أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى كل دولة من دول العالم، يقوم بنشر بيانات أخرى عن قيمة المشروعات التأسيسية من مجمل رقم الاستثمار الأجنبي المباشر، باعتبارها الأكثر إفادة للبلد المتلقي لتلك الاستثمارات، بينما لا تساهم نوعيات أخرى من الاستثمار الأجنبي المباشر بنفس القدر، مثل عمليات الاستحواذ على شركات قائمة، وبالتالي فإن ما يحدث هو مجرد استبدال لافتة اسم المالك للشركة باسم المالك الجديد، وربما قامت الإدارة الجديدة بخفض العمالة الموجودة.

38 في المائة استثمار وهمي عالمي

وذكرت دراسة لصندوق النقد الدولي بالاشتراك مع جامعة كوبنهاجن عام 2019، إلى أن ما يقرب من 40 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر حول العالم يتوجه إلى كيانات غامضة مصممة لتقليل الضرائب التي تدفعها الشركات على مستوى العالم، وهكذا تقوم تلك الشركات باستخدام الاستثمار الأجنبي المباشر لتمويل الشركات التابعة وادارة الأصول غير الملموسة، بدلا من الاستثمار في أعمال حقيقية تخلق فرص العمل وتعزز النمو وتزيد الإنتاج.

ورغم الجهود الدولية الرامية إلى معاقبة الشركات التي تقوم بتحويل أرباحها لأغراض التجنب الضريبي والتهرب الضريبي، فإن رأس المال الوهمي ينمو كنسبة من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ ارتفع من 31 في المائة عام 2010 إلى 38 في المائة عام 2017.

ومن هنا فإن الرقم العالمي للاستثمار الأجنبي المباشر الوارد لدول العالم في العام الماضي والبالغ 999 مليار دولار، يختلف عن الرقم الذي أعلنته مؤسسة فايننشال تايمز ببلوغ قيمة التكلفة الاستثمارية لمشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم بنفس العام 533 مليار دولار، أي بنسبة 53 في المائة من الرقم الإجمالي الوارد حسب الأونكتاد.

ونفس الأمر ينطبق على العالم العربي ما بين الرقم الكلي المُعلن من قبل الأونكتاد للاستثمار الأجنبي المباشر، الوارد للدول العربية في العام الماضي والبالغ 40.5 مليار دولار، وبين رقم التكلفة الاستثمارية للمشروعات الواردة لها خلال العام والبالغة 34 مليار دولار، أي بنسبة 84 في المائة.

ولكنه حتى رقم التكلفة الاستثمارية للمشروعات الواردة يحتاج إلى تفصيل، فقدوم مشروع أجنبي بنظام تسليم المفتاح أي بإتيان المستثمر الأجنبي بكامل معداته من الخارج ومعها بعض العمالة الأجنبية؛ يختلف عن مشروع أجنبي يعتمد في جانب من مكوناته على مكونات منتجة محليا.

فهناك فرق مثلا بين مصنع لإنتاج سيارات صينية يجلب كل مكوناته من الصين ليتم فقط تجميعها محليا، وبين مصنع آخر يستخدم مكونات محلية في إنتاجه بنسب مختلفة قد تصل إلى 30 في المائة، فهذا المصنع الأخير يقوم بتوفير مجال تسويقي لمصانع مكونات محلية متعددة، ويحافظ على العمالة الموجودة فيها وربما ساهم في زيادتها، وهكذا في كل المجالات.

أقل مشروعات عربية من 17 سنة

وهكذا سنجد الفرق واضحا عند استخدام رقم الأونكتاد الخاص بإجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد للعالم العربي العام الماضي، والبالغ 40.5 مليار دولار، فهذا الرقم يمثل نموا لقيمة الاستثمار بالمقارنة بعام 2019 بنسبة نمو 2.5 في المائة، وهو اتجاه يخالف الاتجاه العالمي الذي انخفضت به قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 35 في المائة، وهو الانخفاض الذي شمل الدول المتقدمة والدول النامية والدول المتحولة.

كما يخالف تراجع قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر في العديد من قارات العالم، مثل أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية واللاتينية وأفريقيا، بسببت تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد الدولي.

لكن مع استخدام بيانات المشروعات الأجنبية التي تمت في العالم العربي خلال العام الماضي سنحصل على نتائج مختلفة تماما، حيث تراجعت قيمة تكلفة المشروعات الأجنبية، ليس فقط بالمقارنة لعام 2019، ولكن الرقم المتحقق عام 2020 كان أقل مما تحقق في أي سنة منذ عام 2003.

كما أن عدد المشروعات الأجنبية التي تمت في العام الماضي والبالغ 616 مشروعا، كان أقل مما تحقق منذ عام 2006، ونفس الأمر للوظائف المتحققة من المشروعات الأجنبية التي تحققت في العام الماضي والبالغة 54 ألف وظيفة، كانت أقل مما تحقق في أي سنة منذ عام 2003.

وهكذا فإن اتجاه المشروعات الأجنبية بالعالم العربي قد واكب الاتجاه العالمي خلال العام الماضي بالانخفاض، وهو ما تكرر كذلك خلال الربع الأول من العام الحالي، حيث بلغت التكلفة الاستثمارية لمشروعات الأجانب عربيا 5.5 مليار دولار، بنسبة تراجع 55 في المائة عن الفترة من العام المالي، كما بلغ عدد المشروعات 115 مشروع بنسبة تراجع 45 في المائة، وبلغ عدد الوظائف التي وفرتها تلك المشروعات الأجنبية 13 ألفا و408 وظائف، بنسبة تراجع 39 في المائة.

استثمارات العرب بالخارج أكبر من البينية

وعندما نتحدث عن توفير المشروعات الأجنبية 13 ألفا و408 وظائف في ربع عام، كان نصيب مصر منها 4658 وظيفة، والسعودية 3791 وظيفة، والمغرب 2048 وظيفة، والإمارات 1755 وظيفة، وقطر 308 وظائف، وليبيا 258 وظيفة، وسلطنة عمان 230 وظيفة، والكويت 93 وظيفة، والبحرين 91 وظيفة، والجزائر 14 وظيفة.

ندرك مدى استخدام تلك الشركات الأجنبية لمعدات عالية التكنولوجيا قليلة العمالة، أو عملها بأنشطة غير صناعية أو زراعية، وبما يعني ضعف مساهمتها في تخفيف معدلات البطالة المرتفعة عربيا، ويعني هذا كذلك مساهمة المشروعات المحلية بالنصيب الأكبر في توفير فرص العمل.

وأشارت بيانات مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم العربي خلال الربع الأول من العام الحالي، إلى مساهمة الاستثمار العربي البيني بنحو 28.5 في المائة من مجمل تكلفة المشروعات الأجنبية التي وردت للدول العربية، ونسبة 17 في المائة من عدد المشروعات، ونسبة 22 في المائة من الوظائف المتحققة، وهو ما يعني قلة نصيب المشروعات الواردة للمنطقة العربية من الدول العربية.

لكنه على الجانب الآخر كانت مؤشرات مشروعات الاستثمار الأجنبي العربي في الخارج في الربع الأول من العام الحالي، أكبر بكثير مما ذهب للدول العربية بنفس الفترة، فإذا كان العرب قد نفذوا 20 مشروعا في المنطقة العرببية، فقد نفذوا 46 مشروعا خارج المنطقة العربية بنفس الفترة.

وإذا كانت التكلفة الاستثمارية لمشروعات الاستثمار العربي البيني قد بلغت 1.6 مليار دولار، فقد بلغت التكلفة لمشروعاتهم في الخارج حوالي ملياري دولار، وإذا كانت مشروعاتهم البينية قد وفّرت 2906 فرص عمل في الدول العربية، فقد وفرت مشروعاتهم خارج المنطقة العربية 5072 فرصة عمل في تلك الدول.

twitter.com/mamdouh_alwaly