كتاب عربي 21

حملة تحريض جديدة ضد السوريين في تركيا

1300x600
مجدداً، عاد السوريون ليتواجدوا في صدارة الأجندة السياسية والإعلامية في تركيا من زاوية الشأن الداخلي وليس فقط السياسة الخارجية، رغم أن الأجندة الداخلية مزدحمة أصلاً بمواضيع على قدر كبير من الأهمية والخطورة، وفي مقدمتها الحرائق المستمرة منذ أكثر من أسبوع.

مرة أخرى ارتفعت أصوات تنادي بإعادة السوريين إلى بلادهم - وهو أمر قديم يتجدد كل حين - مع انتقادات كبيرة للحكومة التركية بخصوص استراتيجيتها في التعامل معهم، لكن الأمر هذه المرة تخطى التصريحات السياسية المناكفة لحزب العدالة والتنمية الحاكم وانتقل لأول مرة إلى مؤسسة رسمية وبخطاب عنصري.

تانجو أوزجان، رئيس بلدية مدينة بولو التي تتوسط المسافة بين أنقرة وإسطنبول وسط البلاد، عبّر بشكل علني و"جريء" عن رغبته بل وسعيه مؤخراً لإخراج الأجانب من المدينة، عبر سياسات وقرارات من البلدية، معبراً عن استيائه من أن ذلك لم يحصل حتى اللحظة.
ارتفعت أصوات تنادي بإعادة السوريين إلى بلادهم - وهو أمر قديم يتجدد كل حين - مع انتقادات كبيرة للحكومة التركية بخصوص استراتيجيتها في التعامل معهم، لكن الأمر هذه المرة تخطى التصريحات السياسية المناكفة لحزب العدالة والتنمية الحاكم وانتقل لأول مرة إلى مؤسسة رسمية وبخطاب عنصري

في تصريحه في 26 من تموز/ يوليو الفائت، قال أوزجان: "نقطع عنهم المساعدات فلا يرحلون، لا أعطيهم رخصة لفتح مكان عمل فلا يرحلون، لذلك قررنا اتخاذ تدابير جديدة"، مقدّماً مقترحاً لمجلس البلدية برفع سعر الماء وبعض خدمات البلدية المقدمة للأجانب بعشرة أضعاف.

رئيس البلدية الذي كان خاض حملته الانتخابية بشعار "لا نريد سوريين في بولو"؛ رد على منتقديه ومتهميه بالعنصرية، وبرر قراره بأن "مبدأ المساواة في الدستور يسري على المواطنين الأتراك حصراً" وليس الأجانب. ثم وجه خطابه للأجانب - وتحديداً السوريين - قائلاً: "أنا لم أدعكم إلى بولو، ولا الدولة أرسلتكم إلى هنا مرغمين. العيش في بولو قراركم، فادفعوا ثمنه".

ورغم الجدل الكبير الذي أحدثته تصريحات أوزجان وبدء تحقيق بخصوص مدى قانونية المقترح، ورغم أن حزب رئيس البلدية (الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة) قال إن القرار لا يعكس سياسة الحزب، إلا أن مجلس البلدية أقر المقترح بأصوات أعضاء حزبي الشعب الجمهوري والجيد المعارضَيْن، بينما رفضه ممثلو العدالة والتنمية في المجلس البلدي. كما أن الحدث أتى بعد تصريحات لرئيس الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو بأن حزبه - في حال فاز بالرئاسة - سوف يعيد السوريين إلى بلدهم خلال سنتين، وهو ما يوحي بأن هناك عملاً منظماً من المعارضة لاستغلال هذا الملف للضغط على الحكومة.

في أسباب ذلك، وإضافة إلى موقف المعارضة (في معظمها) من وجود السوريين على الأراضي التركية وسياسة الحكومة تجاهه، يبدو أن هناك حدثَيْن ساهما في تأجيج الجدل الداخلي:
الحدث أتى بعد تصريحات لرئيس الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو بأن حزبه - في حال فاز بالرئاسة - سوف يعيد السوريين إلى بلدهم خلال سنتين، وهو ما يوحي بأن هناك عملاً منظماً من المعارضة لاستغلال هذا الملف للضغط على الحكومة

الأول، ذهاب عدد من السوريين لزيارة الشمال السوري خلال عطلة عيد الأضحى ثم عودتهم من هناك. وكما يحصل في كل عيد، فقد أثار الأمر حفيظة البعض وأثار موجة اعتراضات في وسائل التواصل الاجتماعي، بافتراض أن هؤلاء لهم بيوت وأقارب في سوريا وقادرون على الذهاب، فلماذا يعودون؟!

الثاني، تدفق عدد كبير من اللاجئين الأفغان نحو الأراضي التركية عبر الحدود مع إيران، وهو ما جدَّدَ مخاوف البعض من تداعيات ذلك، وخصوصاً اقتصادياً وأمنياً. بل إن بعض أطراف المعارضة اتهمت الحكومة بأنها ترتب شيئاً بخصوص هؤلاء الأفغان، بالنظر إلى أن بعض الفيديوهات أظهرت أن معظمهم من الشباب وليس الشيوخ والأطفال والنساء كما يفترض.

في مقابل ذلك وفي الاتجاه المعاكس تماماً، أبدى طيف من النخبة التركية، ولا سيما بعض الباحثين والإعلاميين، وعياً بخطورة هذا الخطاب وتصدوا لمواجهته، بعد أن كان ذلك مسؤولية السوريين وحدهم - بمشاركات تركية قليلة - في الحملات السابقة.

لم يكتف هؤلاء بالتوصيف، كخطاب عنصري مبني على التمييز والكراهية، بل تخطوه لمساحة تفنيد عدد من المعلومات المغلوطة والشائعات بخصوص السوريين في تركيا، وصولاً لتأكيد أن هذا الخطاب لا يهدد السوريين وحدهم وإنما النسيج المجتمعي التركي نفسه، إذ من طبيعة هذا الخطاب أنه يحافظ على مضمونه مع تغيير "الآخر" الذي يحرّض عليه. بل إن بعضهم لفت الأنظار للمفارقة الواضحة بأن بعض أكثر السياسيين تحريضاً على السوريين والأجانب عموماً ليس من أصل تركي، وإنما من الوافدين على تركيا والباقين فيها لاحقاً.

الخطير في الأمر أن خطاب التمييز والكراهية، الذي يتحول بعضه لعنصرية، ما زال مستمراً من جهة ويتخذ بعض الأشكال "الرسمية" من جهة أخرى، ما يطرح مخاوف من احتمال تحول الأمر من خطاب لممارسات عنصرية تستهدف السوريين، وهو أمر حصل سابقاً للأسف وسبق أن تناولناه بالبحث والتحليل (1).

من جهة أخرى، ما حصل يعني أن السوريين مرشحون لأن يكونوا أحد عناوين الحملات الانتخابية، وأحد أهم ملفات المناكفة بين الحزب الحاكم والمعارضة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، سواء بقيت في موعدها في 2023 أو تم تبكيرها لموعد أقرب.

يعيد ذلك للأذهان الانتخابات البلدية التركية عام 2019، والتي رافق حملتَها الانتخابية بعضُ الخطاب العنصري الموجه ضد السوريين، بل إن بعض المرشحين بنى حملته عليهم. تحوُّلُ السوريين لمادة مزايدة من المعارضة على الحكومة دفعت في ذلك الحين مرشح العدالة والتنمية لبلدية إسطنبول الكبرى، بن علي يلدرم، لأن يقع في خطأ مجاراة ذلك الخطاب وإن نسبياً(2).

الأخطر أن الحزب الحاكم قدَّر أن ملف الوجود السوري في إسطنبول تحديداً كان عاملاً رئيساً في خسارته بلدية المدينة الكبرى والأهم، ما ترتب عليه إجراءات تشديدية لضبط وجودهم في المدينة، وقد كانت حملة شابها أخطاء وتجاوزات حسب التصريحات الرسمية في ذلك الحين(3).
ما حصل يعني أن السوريين مرشحون لأن يكونوا أحد عناوين الحملات الانتخابية، وأحد أهم ملفات المناكفة بين الحزب الحاكم والمعارضة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، سواء بقيت في موعدها في 2023 أو تم تبكيرها لموعد أقرب

وبالنظر إلى أن الانتخابات المقبلة في تركيا أهم وأكثر حساسية، ولا يملك أي طرف وخصوصاً العدالة والتنمية الحاكم رفاهية التراجع فيها فضلاً عن خسارتها، فإن ذلك يزيد من الهواجس المتعلقة بانعكاسات ذلك على السوريين، لا سيما على صعيد سياسات الحكومة. 

يجعل كل ذلك، وتفاصيل أخرى لا مساحة لها في هذا المقال، للقول إن ملف السوريين في تركيا قنبلة موقوتة تحتاج للكثير من الحكمة في التعامل معه من جميع الأطراف، وهو عنوان مقال كتبته عن نفس الموضوع عام 2017 وسبق ذكره.

ولئن كان جزء مهم من مسؤولية تجنب تداعيات هذا التحريض تقع على الدولة ومؤسساتها كما جادلنا في مقال سابق، إلا أن ذلك لا يعفي أيضاً السوريين المقيمين على الأراضي التركية من مسؤوليتهم، لا سيما على صعيد المؤسسات والهيئات السياسية والاجتماعية والفكرية التي تمثلها. إذ لا زالت هذه الجهات في معظمها بعيدة جداً عن استشعار خطورة الأمر وضرورة العمل على تفاديه وعلاج أسبابه، بعد أكثر من 10 سنوات على الوجود السوري في تركيا، وهو الوجود المرشح لأن يستمر سنوات إضافية على أقل تقدير.