قضايا وآراء

قيس سعيّد والمصيبة الكبرى

1300x600
تكاد تكون حكاية تخطيط وزخرفة الرئيس التونسي قيس سعيّد لرسالته ثم الطريقة التي تحدث بها مع رئيس تشريفاته في الفيديو المتداول (تم حذفه من موقع رئاسة الجمهورية بوقت لاحق) بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بشأن تصور طبيعة وشخصية قيس سعيّد.

الرئيس ترك دوره الحقيقي في قيادة الدبلوماسية التونسية ورسم السياسة الخارجية لتونس لصالح صراعات ومناكفات لا معنى لها، ولم نر تونس أقل حضورا في السياسة الدولية مما هي عليه الآن في عهد سعيّد، ومنذ نحو عام ونصف العام على استلامه موقعه لم تتجاوز زياراته الرسمية الخارجية عدد أصابع اليد الواحدة وبعضها كان بروتوكوليا جدا، مثل زيارة سلطنة عمان لأداء واجب العزاء، فضلا عن عدم القيام بأي دور مؤثر في المشهد الليبي مع أن الجارة ليبيا تشكل عمقا استراتيجيا لتونس.

وقد ربط البعض بينه وبين ترامب في الجمع بين الشعبوية والأنا المتضخمة، والتي تتجاوز الثقة إلى درجة الغرور.
ترامب رأى نفسه فوق الدستور لأنه يريد عودة أمريكا العظيمة، وعلى ذات المنوال يضع قيس سعيد نفسه فوق الدستور لأنه فاز بأغلبية كبيرة من الأصوات ويفسر النصوص بمزاجه الشخصي

ترامب رأى نفسه فوق الدستور لأنه يريد عودة أمريكا العظيمة، وعلى ذات المنوال يضع قيس سعيد نفسه فوق الدستور لأنه فاز بأغلبية كبيرة من الأصوات ويفسر النصوص بمزاجه الشخصي، مع أنه كفقيه دستوري يعرف جيدا أن هذه المهمة من اختصاص المحكمة الدستورية والتي يساهم هو بتعطيل إنشائها!

ورغم محاولات التقعير في اللغة وتزيين استخدام ألفاظها وتخطيط عباراتها، إلا أن أستاذة جامعية تونسية رصدت ثلاثة أخطاء بالرسالة التي أثارت طريقة كتابتها وإرسالها سخرية واسعة؛ لا تليق بمكانة تونس ولا برئيس أفضل ديمقراطية في الوطن العربي.

المصيبة الكبرى ليست هنا وإنما بتسخيف صورة الديمقراطية وتشويه نتاجها، وتيئيس الشباب العربي من إمكانية التغيير عبر صناديق الاقتراع، وها هو قيس سعيّد خير شاهد على ذلك، للأسف.
المصيبة الكبرى ليست هنا وإنما بتسخيف صورة الديمقراطية وتشويه نتاجها، وتيئيس الشباب العربي من إمكانية التغيير عبر صناديق الاقتراع، وها هو قيس سعيّد خير شاهد على ذلك

فإن تجاوزنا قضية التخويف من مصير مشابه لسوريا واليمن وليبيا، يمكنهم القول: هل تريدون نموذجا مثل الرئيس التونسي؟! وللأسف الشديد يبدو أن أوقات الفراغ كثيرة لديه وتجعله يقوم بأفعال لا معنى لها، فهو إن تعذر عليه النزول إلى الشارع أو الجلوس في المقهى خرج علينا بتلك الرسائل المزخرفة والعبارات المنمقة المستدعاة من التاريخ بشكل غير مناسب.

وفي المقابل، لا زالت عدة قوانين معطلة في مكتبه بانتظار توقيعه، ناهيك عن أنه منذ استلامه لموقعه لم يقدم أي مقترح قانوني للبرلمان كما فعل سلفه السبسي.

بل إن قيس سعيّد خيب آمال عدد لا بأس به من أنصاره الذين يرفضون البرلمان، حيث لم يقم بحل البرلمان ولا تفعيل مقترح تشكيل لجان شعبية حسب رؤيتهم! ولم يتجه للشعب بإجراء استفتاء على مثل تلك القضايا الجوهرية، فلا هو ترك الدولة بمؤسساتها تقوم بعملها (لاحظوا كيف رفض استقبال الوزراء الجدد لأداء القسم)، ولا هو قام بشيء عملي يترجم أفكاره الغامضة التي لا زالت لغزا محيرا لكثيرين، ومنها قوله: السلطة السياسية يجب أن تكون معبّرة عن الإرادة الحقيقية للشعب! السؤال: كيف وما المطلوب وما الطريقة الديمقراطية لتحقيق ذلك؟ وكيف يمكن إسقاط هذا على الدستور التونسي؟!
الشعبوية المفرطة للرئيس قيس سعيّد مقلقة في ظل عدم إيمانه بالبرلمان ولا الأحزاب، وتؤكد خطورة غير السياسي على السياسة وصنع القرار حين يتصدى لموقع رسمي، فما بالك وقد أصبح بين عشية وضحاها رئيسا للدولة!

لماذا لا يعود قيس سعيّد للدستور التونسي بحق ويتصرف كرئيس فوق المناكفات؛ يضمن احترام مؤسسات الدولة ويسهل قيامها بدورها، وقد أكد عدد من الخبراء الدستوريين في تونس ومنهم أساتذة درسوا سعيّد عدم ارتكاب الحكومة الحالية لأية مخالفات دستورية؟

الشعبوية المفرطة للرئيس قيس سعيّد مقلقة في ظل عدم إيمانه بالبرلمان ولا الأحزاب، وتؤكد خطورة غير السياسي على السياسة وصنع القرار حين يتصدى لموقع رسمي، فما بالك وقد أصبح بين عشية وضحاها رئيسا للدولة!