كتاب عربي 21

الرئيس التونسي.. وجملة من الأسئلة المشروعة

1300x600

تتزايد علامات الاستفهام حول السياسات التي يتبناها الرئيس التونسي المنتخب قيس سعيّد وما إذا كانت متوائمة مع تطلعات الناخبين الذين سبق أن أطاحوا بنظام الاستبداد، ورفعوا شعارات الديمقراطية والحرية والمشاركة السياسية، هذا فضلاً عن أن تونس هي بارقة الأمل وشمعة النور التي يهتدي بها ملايين العرب من المحيط الى الخليج كنموذج ناصع البياض لتحول ديمقراطي سلمي لم يعرفه عالمنا العربي من قبل. 

 

آخر محطات الجدل التي أثارها سعيِّد هو الادعاء بتلقيه ظرفاً مشبوهاً يحتوي مواد سامة، وهو ما نفته أجهزة التحقيق المهنية والفنية سريعاً، فيما اعتبره الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي "تمثيلية مضحكة"، الأمر الذي أثار تساؤلات وتكهنات حول الهدف من إثارة مثل هذه "التمثيلية". 

 

لكنَّ اللافت أن سعيّد تلقى اتصالاً هاتفياً في اليوم التالي من نظيره المصري، فيما قال البيان الرسمي الذي صدر عن الرئاسة التونسية أن "المكالمة كانت فرصة للحديث عن تسميم العقول والأفكار لأن السموم الزعاف هي التي تستهدف الشعوب والدول قبل أن تستهدف الأشخاص والقيادات"، وهو ما بدا غير مفهوم، حيث بدأت المناسبة بمحاولة تسميم سرعان ما تبين أنها غير موجودة أصلاً، ثم انتقل الأمر الى الحديث عن "السموم الفكرية" و"تسميم العقول بالسم الزعاف"! 

 

قصة محاولة التسميم التي تبين أنها مجرد وهم لا علاقة لها بالواقع ليست الجدل الوحيد الذي أثاره الرئيس التونسي، فثمة ملفان أثارا الجدل خلال العام الأول وحده من وجود سعيّد في الرئاسة، الأول والأهم هو موقفه من الاستعمار الفرنسي لبلاده، ورفضه مطالبة فرنسا بالاعتذار، وهو ما خيب آمال التونسيين الذين راقبوا عن كثب زيارته الى باريس ولقاءه بالرئيس إيمانويل ماكرون منتصف العام الماضي. 


الرئيس سعيّد لم يكتفِ بالصمت وتجنب طلب الاعتذار من فرنسا، لكنه أيضاً انزلق نحو الدفاع عن الاستعمار الفرنسي قائلاً إنه "كان نظام حماية" واستهجن مطالبات بعض التونسيين بالاعتذار الفرنسي بعد 60 عاماً، وهو ما شكّل صدمة حقيقية للتونسيين، بل للعرب جميعاً وفي مقدمتهم الجزائريون الذين يعتبرون أنهم لا زالوا يناضلون من أجل استرداد حقوقهم عن فترة الاستعمار الفرنسي لبلادهم.


أما الملف الآخر الذي لفت الانتباه في العام الأول للرئيس التونسي فهو "التخبط الدبلوماسي" وحالة عدم الاستقرار في السياسات الخارجية، وهو ما تجلى بوضوح بتغيير سفير تونس لدى الأمم المتحدة مرتين خلال شهور قليلة فقط، والأنكى من ذلك أن أحد هذين السفيرين تم إعفاؤه من منصبه بسبب اعتزامه تقديم مشروع قرار يدين "صفقة القرن" التي تريد التهام القضية الفلسطينية وتصفيتها لصالح الاحتلال الاسرائيلي. 


المؤكد أنَّ الشعب التونسي الذي انتخب الرئيس سعيّد لا يمكن أن تروق له هذه السياسات، إذ لا يمكن لأي تونسي أن يعتبر الاستعمار "فترة حماية"، ولا يمكن لأي تونسي أن يقبل بصفقة القرن ولا أن يقبل بتضييع أي فرصة لمناصرة القضية الفلسطينية، وفي المقابل فان هذه السياسات تثير العديد من الأسئلة لدى التونسيين وغيرهم من العرب، بما في ذلك السؤال عن قصة "الطرد المسموم" و"السم الزعاف" والمقصود من هذا كله، وما إذا كان محاولة لافتعال أمر ما أم لا.