كتب

أزمة "النهضة" التونسية في رواية أحد قياداتها.. قراءة في كتاب

مسيرة حركة النهضة التونسية وتجربتها في الحكم على لسان واحد من قياداتها- (عربي21)
الكتاب: "من الجماعة إلى الحزب السياسي: إدارة التغيير في سياق انتقالي"
المؤلف: عبد الحميد الجلاصي
منشورات سوتيميديا
الطبعة الأولى: 2021
عدد الصفحات: 312


يكثر الطلب دائما على الأدبيات التأريخية التي تصدر عن أبناء التنظيم وقياداته، لاسيما إذا تعلق الأمر بتنظيمات الحركة الإسلامية، فهذه التنظيمات في الغالب ما يندر عندها التأريخ، ويسود قدر كبير من الغموض عن ما يجري داخلها من ديناميات، فضلا عن الخلافات الداخلية، التي تحاط بسور سميك حتى لا تخرج إلى العلن، وتصير أداة بيد خصومها.

ويصير الأمر أكثر حساسية في التنظيمات التي يتربع على رأسها شيخ من القيادات التاريخية، التي يعتبر نقدها علنا، نوعا من المزايدة على التنظيم، والمس بوحدته الداخلية، فلا يقبل التداول إلا داخل الأوعية التنظيمية، ويصير إخراج الخلاف إلى العلن، خروجا عن المقتضيات القانونية والمؤسسية المؤطرة للتنظيم.

في حالة حركة النهضة التونسية، لم يكن عبد الحميد الجلاصي أول من باشر عملية النقد العلني للتنظيم ورؤيته وبعض مواقفه، فلم يتوقف الشيخ عبد الفتاح مورو لحظة في ممارسة هذا النوع من النقد، بل قدم شهادته وروايته التاريخية بقدر كبير من التفصيل، دون أن تخضعه الاعتبارات التنظيمية لإخفاء الحقائق أو مجاملة القيادات.

هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم، هو نموذج آخر من النقد الداخلي، أو هو رواية أخرى ومن زاوية مختلفة، للطريقة التي تداعت بها حركة النهضة لإعادة هيكلة نفسها وتأهيل ذاتها لمواجهة تحديات الربيع العربي، وكيف أدارت الموقف حركيا وحزبيا وسياسيا وحكوميا، وما هي الأخطاء والمآزق التي وقعت فيها، حتى انتهت تجربة الانتقال الديمقراطي إلى خلق واقع مأزوم، يتعرض لنقد القوى التي تطلعت للتغيير والحرية والكرامة.

وتكتسي هذه الرواية أهمية كبرى، كونها صدرت من قيادي في النهضة، تقلب في عدة مواقع في القيادة التنفيذية إلى غاية 2016، وبقائه في عضوية مجلس الشورى إلى غاية انسحابه النهائي من حركة النهضة أي 2020.

ومع أنه حاول مرافقة مسار الثورة وتحليلها وتقييمها ومحاولة استشراف مستقبلها، ونبه على ندرة الكتابات التي تخوض هذا التمرين من داخل التنظيمات المختلفة في تونس، السياسية والنقابية والحقوقية، إلا أنه خصص جزءا كبيرا من كتابه لمواكبة مخاضات حركته (حركة النهضة) وأمراض المشهد الحزبي عامة، كما جعل من وظيفة كتابه، الانتقال من تحليل الوضع الداخلي لحركته وللمشهد الحزبي إلى طرح جملة مراجعات فكرية، تخص طبيعة الدولة ومقولات الأسلمة والعلمنة وموقع الدين في الفضاء العام.

ويتميز الكتاب، بكونه يتضمن نصوصا ووثائق خاصة بتنظيم حركة النهضة، وتقديم رواية من داخلها لرجل قيادي، عاش قبل الثورة في كنف التنظيم، ومارس قدرا كبيرا من الفاعلية لإعادة هيكلته بعد الثورة، ومسجلا في كل مرحلة خلافاته العميقة مع التدبير القيادي، والذي توجت بتقديم استقالته في محطات مختلفة، يتم العدول عنها بعد ذلك لاعتبارات تخص مصلحة التنظيم ومصلحة الدولة، إلى أن جاءت لحظة الطلاق الأخيرة العام الماضي.

نفس سجالي متمرد، أم روح نقدية عالية؟

مما يميز الكتاب أيضا، أنه ركب لغة سجالية نقدية اشتبك بها ليس فقط مع  قيادات النهضة من الداخل، وإنما لازمته هذه اللغة حتى وهو يحلل تطورات الواقع لاسيما في أحداثه المركزية، بدءا بمنعطف الثورة وانتخابات المجلس التأسيسي (23 تشرين أول / أكتوبر 2011)، ثم إطلاق الحوار الوطني (صيف 2013) وانتخابات تشرين أول / أكتوبر 2014، وانطلاق الشراكة بين حزبي نداء تونس والنهضة، مرورا بإسقاط حكومة الحبيب الصيد (آب / أغسطس 2016) ثم مصادقة مجلس النواب على قانون المصالحة الإدارية في 13 أيلول / سبتمبر 2017 إلى حيثيات وسياقات مناقشة تمديد عمل هيئة الحقيقة والكرامة في 23 آذار / مارس 2018، ثم انحياز قيادة النهضة إلى رئيس الحكومة يوسف الشاهد في صراعه مع رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي ابتداء من أيار (مايو) 2018، ثم محاولة تغيير القانون الانتخابي في حزيران (يونيو) 2019 فانتخابات خريف 2019.

كما ظهرت هذه اللغة النقدية السجالية في مواكبة تطور كسب النهضة السياسي، بدءا بمسار إعادة البناء التنظيمي (2011)، والتحضير للمؤتمر التاسع في تموز (يوليو) 2012، ثم الانطلاق في التحضير للمؤتمر العاشر في شباط (فبراير) 2014 ثم المؤتمر العاشر في أيار (مايو) 2016، ثم الانتخابات الداخلية لانتقاء مرشحي النهضة في الانتخابات التشريعية لحزيران (يونيو) وتموز (يوليو) 2019، ثم إقرار الترشح للرئاسيات واختيار المرشح عبد الفتاح مورو في أغسطس 2019، ثم إدارة ملف تشكيل الحكومة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 وكانون الثاني (يناير) 2020.

وإذا كانت لغة السجال والنقد هي الغالبة في كتاب الجلاصي، وهو يؤطر بالتحليل مسار النهضة، ومسار الثورة والانتقال الديمقراطي في تونس، وتعثرات المشهد السياسي، فإن الخلاصة العامة التي تؤطر مركز تفكيره، أن الأزمة في تونس، هي أزمة قيادية بامتياز، وأن ذلك يرجع في الجوهر، إلى تخلف المنظومة الحزبية والمدنية وعدم مسايرتها لاحتياجات اللحظة الثورية وعدم قدرتها على التكيف مع الفسحة الكبيرة التي أتاحتها الثورة.

يلخص الجلاصي رؤيته لأزمة المشهد الحزبي والممارسة السياسية بتونس في ثلاث أعطاب جوهرية: عطب أخلاقي، ويعتبر من أخطر الأعطاب، ويقصد به التحلل من التعاقدات المبرمة مع الجمهور الناخب واعتبار الدولة مجالا للترضيات، وعطب ثقافي، يتمثل في قتل الطموح وتوشيه التنافس وتعطيل مجال الارتقاء الحزبي وسد أبواب التداول داخل الأحزاب والتنكب عن مقتضيات التعايش والبحث عن المشتركات بين الأحزاب، ثم عطب المضمون السياسي، ويتمثل في نظر الجلاصي في غياب الرؤى والمشاريع طويلة المدى، وضحالة الفهم للواقع وسطحية البرامج والاختيارات لتغييره.

إعادة البناء التنظيمي غطى عن الحاجة للنقاش السياسي الداخلي

يقدم الجلاصي تأطيرا وصفيا وتحليلا لشكل تعاطي النهضة مع تحولات الوضع في تونس، وكيف نظرت إلى الفرص والاستحقاقات التي أتاحتها ثورة الياسمين، ويفضل أن يعرض نصوصا ووثائق تؤطر هذه المرحلة التي امتدت من 2011 إلى 2014، وكيف تداعت حركة النهضة لنبذ التوجس والخوف الذي غلب على فكرها في تلك المرحلة، وقامت بتحريك الطاقات الكامنة وتحركت بسرعة لإعادة البناء الذي تحقق خلال تسعة أسابيع فقط، أي من 15 آذار (مارس) إلى 21 أيار (مايو) 2011، بإنجاز ما يقارب ثلاثمائة مؤتمر في كل الولايات التونسية.

ويلاحظ الجلاصي، غياب النقاش السياسي داخل الحركة في هذه الفترة، وتركيزها على إعادة البناء، وإدارة "اليومي" مع التركيز على إنجاح تجربة الحكم التي قادتها الحركة بعد انتخابات 23 تشرين أول (أكتوبر) 2011 في سياقات مشحونة.

وفضلا عن غياب أي نقاش سياسي يطرح الأسئلة الكبرى التي تشغل الرأي العام حول طريقة ترتيب الانتقال الديمقراطي ورؤية الحركة للعديد من القضايا السياسية والدستورية، يسجل الجلاصي أن المؤتمر التاسع نفسه تموز (يوليو) 2012 غلب عليه طابع تجديد الشرعية القيادية ومحاولة طي ملفات الماضي وتزكية الخيارات الكبرى التي اعتمدت في إدارة الشأن الوطني منذ اندلاع الثورة.

ويوثق الجلاصي في هذا الفصل لسياق استقالته الأولى في تموز (يوليو) 2013، وكيف جاءت على خلفية اتهامات علنية من قيادة الحركة له (كان يشغل مهمة المنسق العام)، بالتدخل في الشأن السياسي وحجز رئيس الحركة وتمرد على تنفيذ تعليماته.

ويقدم الجلاصي في الفصل الثاني مساهمة مهمة عن السجالات الداخلية التي عرفتها حركة النهضة بين سنة 2014 و2016، أي في سياق الاستعدادات التي كانت تخضوها حركة النهضة لمواجهة استحقاقات المؤتمر العاشر، لاسيما ما يرتبط بالعلاقة بين الحزبي والحضاري، وكيف ضغطت تجربة الحكم على هيكلة الحزب، وأثرت على الديمقراطية الداخلية، فضلا عن إشكالات مرتبطة بالانتقال الجيلي، وإعادة انتشار مجالات وموارد مشروع حضاري شامل على فضاءات السلطة والمجتمع في سياق ديمقراطي.

يؤكد الجلاصي خلال هذه المرحلة، أن الخلاف الداخلي في النهضة حول القضايا السياسية والفكرية لم يكن كبيرا، إنما الإشكال الأكبر الذي طرح تمثل في نمط الحوكمة وقضية الصلاحيات، وكذا طبيعة النظام السياسي المعتمد في النهضة.

ويوثق الجلاصي هذه المرحلة بذكر نصوص وحوارات لقياديين، فضلا عن مقالات منشورة، تكشف أجواء النقاش الداخلي للنهضة، وكيف كان هناك تخوف من أن يستنزف العمل السياسي النهضة، لتتخلف عن دورها الحضاري العام، وبروز دعوات للتفكير من خارج البنية العقائدية (التفكير داخل الصندوق).

ويوثق الجلاصي مرة ثانية لاستقالته الثانية، التي قدمها بتاريخ 26 كانون الثاني (يناير) 2015، بسبب انتقاده لطريقة إدارة الحركة لمرحلة ما بعد الثورة، وكيف ساهم التدبير القيادي في إضعاف مؤسسات الحركة وأثره في العلاقات البينية، وعدم التجاوب مع النصائح المبذولة في هذا السياق.

وقد نشر الجلاصي جملة مساهمات مهمة تؤرخ لرؤيته لترشيد مسار حركة النهضة وفتح نقاشات فكرية وسياسية حول بعض القضايا الشائكة التي تفرضها استحقاقات إعادة بناء الدولة في تونس، حاول بها تأطير ومواكبة استعدادات الحركة للمؤتمر العاشر، والمهام الأربعة التي اقترحها (الحلقات الأربع: حلقة بناء الفضاء العام، وحلقة البناء النهضوي، وحلقة موقع النهضة في البناء الديمقراطي، وحلقة ديمقراطية الأحزاب) فضلا عن رؤيتها لموقع الدين في فضاء الدولة وفضاء المجتمع وفي الأحزاب، كما قدم في سياق آخر، مساهمته لتطوير رؤية حركة النهضة، وسبل الانتقال بهات من التنظيم الشمولي العقائدي إلى التنظيم السياسي المجتمعي، وخيارات بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأولوية البناء الثقافي في الوظائف الحزبية، وسبل إعادة الانتشار الاجتماعي والسياسي والثقافي، وخيارات إعادة بعث المشروع، وتنظيم مخرجاته وإعادة بناء العلاقات بين مكوناته.

ولم يتردد الجلاصي في الإحالة على وثيقة كتبها، وتداول فيها مع قيادات النهضة حول الوضع الداخلي في النهضة، وكيف مرت سنة، دون أن يتحسن شيء من وضع التنظيم، ولم يتم إصلاح الأعطاب التي أشارت إليها الوثيقة، وقد لخص هذه الأعطاب في آلية اتخاذ القرارات العليا، وسوءا المناخات السائدة بين قيادات التنظيم، وعدم بذل أي جهود لإرساء الثقة، وغياب الشفافية في إدارة الملفات السيادية، وغياب التشاركية في صناعة القرار، وتهميش المؤسسات واعتماد مطابخ موازية لإنتاج القرار وتهريبه عن المؤسسات الفعلية.

أما في الفصل الثالث، الذي خصه الجلاصي لاستعراض صراع الوعي الجديد مع الثقافة القديمة داخل النهضة ما بين 2016 و2020، فقد سجل في هذه المحطة حدوث نقلة نوعية على مستوى المضمون السياسي وخطوة أخرى أكثر أهمية في اتجاه تحول النهضة جماعة إسلامية إلى حزب سياسيا ذي تموقعات واضحة، كما سجل إلى جانب ذلك رفض عدد من القيادات الانضمام إلى المكتب التنفيذي بسبب معارضتهم لفلسفة القيادة، واختيارهم موقع مجلس الشورى  لمحاولة صناعة رأي عام نهضوي، مما ساهم في ارتفاع سقف التحفظ في منصات التواصل الاجتماعي من أداء القيادة وطريقتها في صناعة القرار، وبروز أصوات نهضوية مختلفة وتمايز عن الخط القيادي التقليدي، ترفع عنوان الديمقراطية الداخلية، وتنادي بمضمون برنامجي لسياسة التوافق مع حزب نداء تونس وتنويع أطراف الشراكة، وهي التحولات التي ساهمت في إنتاج خلاف داخلي حاد حول معايير انتقاء واختيار مرشحي النهضة لانتخابات 2019 التشريعية.

ذلك الخلاف، وتلك التباينات، التي توقع الجلاصي في نصوص مكتوبة أنها قد تصل إلى بلورة تيارات داخل النهضة، بل توقع احتمال انسحاب قيادات كبرى في النهضة منها في حال انخفض مستوى الديمقراطية الداخلية فيها، حتى بدأت أصوات ترتفع داخل التنظيم، تطالب بتحقيق ما تم الاتفاق عليه في المؤتمر العاشر، وتطالب أيضا بالانتقال من أخلاق الجماعة، إلى أخلاق السياسة، وما يفرضه التنظيم الحزبي من شيوع ثقافة الديمقراطية في التداول وفي صناعة القرار.

وبالجملة فجميع الوثائق والمنشورات والمكتوبات التي وثقها الجلاصي خلال هذه المرحلة، تشير إلى جهود إصلاح النهضة من الداخل، والأفكار التي كان يحملها المنتقدون لطريقة التدبير القيادي، والتي كانت تركز كلها على التداول الديمقراطي من جهة، والوفاء لمرجعية المؤتمر العاشر.

في المطالبة بحراك نهضوي تحت رقابة الرأي العام

على أن الخلاف لم يبق محصورا في الداخل، بل بلغت ذروته لما أحس الغاضبون من طريقة التدبير القيادي، بل ضاقت السبل ولم يعد هناك مساحة تجاوب مع المعترضين، فلم يعد هناك من خيار سوى إخراج الخلاف للرأي العام، والضغط على القيادة من أجل التجاوب مع تقديرها للموقف.

يوثق الجلاصي اللحظة، بمقال هو أشبه بوثيقة تاريخية تحت عنوان "من أجل حراك نهضوي تحت رقابة الراي العام" طالب فيه المناضلين في النهضة إلى الجرأة للتحدث بصوت مفرد حتى يتم تجاوز واقع انسحاق الفرد في الجماعة، وتجاوز منطق مسايرة الأمر الواقع، وتحريك ورقة تطور النهضة.

في تقدير الجلاصي، الأزمة في النهضة لا توجد في الأفكار، فالوثائق المرجعية التي لم يفرج عنها إلى الآن، مما يخص مؤتمرات الحركة الأخيرة تضج بتقييمات واعية ووازنة، بل المشكلة تكمن في الفجوة الموجودة بين النهضة الأوراق، والنهضة الواقع، أو بين نهضة النخبة، والنهضة العميقة المتجذرة في كيان أعضائها والمعبر عنها في مختلف وثائقها، أو هي تتمثل ففي العمق بهشاشة المأسسة والتحصين وتضخم سلطة القيادة، وعدم التزامها بمعايير موضوعية في التعامل بالمساواة مع جميع المناضلين.
 
وقد وثق الجلاصي للحظة مطالبته بقيادة جماعية داخل النهضة تحت إشراف الشيخ راشد الغنوشي، قبل أن يضطر لمغادرة التنظيم، بعد أن لاحظ تضاؤل فرص الإصلاح من الداخل، واستمرار العطب القيادي، ومحدودية الرهان على حسم قضية التداول القيادي داخل هذا التنظيم.