كتاب عربي 21

أحلى كوميديا في العالم

1300x600
سارعت السعودية والبحرين وحكومة شرق ليبيا والإمارات واليمن إلى مصالحة قطر في موسم لمّ الشمل الذي نباركه ونفرح به. السعودية المسعودة بالحرم المكّي والتوسط في مركز العالم، وكذلك البحرين، فهي بحران: بحر سنّي وبحر شيعي، والإمارات العربية المتحدة، وهي أمريكا العرب، واليمن المصابة بفقر الدم أو نصف اليمن أو الإمارة الثامنة، وهي التي كانت توصف بالسعادة قبل السعودية، إضافة إلى مصر أم الآخرة والدنيا، وحكومة شرق ليبيا، دولة دقت ساعة الصفر.. بادرت إلى مصالحة قطر!

فتحت الإمارات أمس حدودها مع أختها قطر، وكانت السعودية تنوي دفنها في النفايات النووية وحجزها وراء الماء وجعلها جزيرة روبنسون كروز، رئيس الوزراء اللبناني الحريري في تركيا، رجب طيب أردوغان، الذي يصفه خصومه بالسلطان مع أنه الوحيد المنتخب في كل المنطقة، صرّح تصريحـا غازل به إسرائيل، فلا بأس من بعض الانحناء للريح. وشاهدنا جميعـاً ذلك المشهد الأخوي الآسر بين أمير قطر وولي العهد السعيد صاحب مشروع نيوم، الذي تخلى عن ثلاثة عشر شرطـاً، ومعها شرط رابع عشر من غير ماء حتى يساغ ويستمرأ، خوفـاً من نواضح واشنطن التي تحمل السمّ الناقع، والمنايا التي تحمل البلايا. ونواضح أمريكا غير نواضح يثرب، فنواضح أمريكا هي طائرات الشبح.

لم يكن "نيكولاي غوغول" حين كتب مسرحيّته "المفتّش العام"، يدرك أنّه سيدخل عالم المسرح من أوسع أبوابه، في العام 1836، ليؤلّف خريدته المسرحية التي صنفت من عيون المسرح العالمي، مع أعمال شكسبير وموليير وبريخت وتشيخوف. وقد مُثّلت كثيراً، وكل نسخها الهندية والأمريكية والروسية والعربية طريفة، وهي مسرحية لا يخلو منها يوم من أيامنا ولا مسلسل من المسلسلات حتى المأساوية منها، فنحن في امتحان دائم.

ملخص القصة: أنَّ خبر ابتعاث حكومة القيصر مفتشاً سريّاً متنكراً إلى المدينة النائية من سانت بطرسبرغ يبلغ آذان عمدة بلدية المدينة، ويتزامن ذلك مع وصول موظفٍ حكومي نُفي إلى القرية، اسمه خليستاكوف، فيظنّ عمدة المدينة وموظفوها أنّه هو المفتّش المنتظر، ومن هذا الخلط تنشأ الطرافة والمفارقات.

يبدأ العمدة الفاسد ورهطه بمداهنة المفتش ومحاباته، باذلين الغالي والنّفيس في سبيل النجاة من مصيدة كشف الفساد، مضحين بالمال وبالأعراض إلى أن تنتهي القصّة بهروب الموظف المنفي النصاب خليستاكوف حاملاً معه الكنوز والرشاوى، بعد أن ولغ في إناء الشرف الذي يراق على جوانبه الدم، ونال شهوته من بنت العمدة، وحصل من تلك المغامرة على الذكريات واللذات، وعرف أسرار مسؤولي البلدة، فهتك الأسرار وبتك العورات. وما تأتي به رياح الفساد تأخذه الزوابع. قالت الأخبار إنّ القيصر حضر العرض الأوّل للمسرحيّة الذي أقيم في سان بيترسبورغ، وأنّه قام لدى انتهاء العرض بالتّصفيق ضاحكاً، الأمر الذي أراح الحاشية المضطربة طوال الوقت، فبدأ المسؤولون بالتّصفيق أيضاً، وقال القيصر ضاحكاً: "لقد نال كلّ واحد منكم نصيبه من العرض، ونلت القسط الأكبر منه!" فضحك الجميع على خيبتهم.

خليستاكوف أمريكا جوزيف بايدن سيستلم المأمورية بعد أيام، ومراكز البحث ومواقع الصحف الغربية تراقب آدابها، فذكرت أنَّ قصة الكونت دي مونت كريستو مثّلت نحو 34 مرة بل إنَّ الأمر أكثر من ذلك، فلعل المقصود هي مرات الاقتباس الغربية، أمّا الروس فهم ضعفاء في نشر ثقافتهم، ولا يعرف عدد المرات التي اقتبست فيها هذه المسرحية الجميلة. وسبب جمالها أنها تذكّر بالحساب، وربما باليوم الآخر من حيث لا تقصد، فالحساب قادم.

وأذكر أني رأيت مسلسلاً مصرياً اسمه غريب في المدينة، من تمثيل محمد رضا ومحمود السعدني اقتُبس منها، وكذلك فيلم المزيفون لدريد ونهاد، ولوحات في مسلسل مرايا وبقعة ضوء، قد لا يلاحظها المرء إلا بعد تمحيص، منها لوحة تروي قصة شيوع حملة مكافحة فساد، فينتظم الموظفون الكبار في طوابير أمام السفارات، ثم يرد خبر أن الدولة حادت عن الحملة لأن الدولة ستنهار إذا رحل جميع الفاسدين! ومنها لوحة يغيّر مواطن رأيه بالهجرة بعد أن يجد جميع الفاسدين يحملون حقائبهم، فيقرّر البقاء فهم سبب رحيله.

بل إن فيلم رسالة للسيد الرئيس المصري، للمخرج منير راضي، وفيلم طباخ السيد الرئيس، ألوان وأشكال غير ملحوظة من المسرحية الشهيرة. وفي طباخ الرئيس جملة شهيرة يقول فيها الرئيس لمساعده: "وديت الشعب فين يا حسن". وقد نرى نسخة ثانية من طباخ الرئيس يطبخ فيه طباخ الرئيس الشعب للرئيس، فري شورتلي.

يمكن أن أتذكر القامشلي، التي طُمر فيها مشروع صرف صحي كلف الدولة 27 مليون دولار، حتى تظهر المدينة جميلة عند زيارة بشار الأسد، المفتش العام، لكنهم لم ينجزوه فوأدوه. وأتذكر زيارة وزير لنا في العمل، فقمنا بدهن أرصفة الطرق بألوان حمير الوحش (بلاطة بيضاء وبلاطة سوداء)، ولما سألت غزالة عن سبب دهن حجارة الطريق بألوان بال وسيكام وقد دخل الناس الزمن الملون، قال لا فض فوه: الوزير من الحيوانات المتوحشة ويحبُّ حمير الوحش. فقلت بنية سليمة، وطوية كريمة: والغزلان طبعا.

ويمكن أن أتذكر زيارة البابا التي جرف الأسد من أجلها حياً عشوائياً في أطراف دمشق حتى لا يعتكر مزاج البابا يوحنا بولس، مع أنه ليس مفتشاً عاماً.

التزوير في أوراق الدستور هو صنو التزوير في الواقع، وكان ذلك دأب الأنظمة العربية، فالتلفزيون هو القمع الرابع في بلادنا الشمّاء وليس السلطة الرابعة، وقد يكون السلطة الرابعة لكن بيد النظام، لذلك كان المحللون يكثرون من قول: خلصت، ويبثُّ التلفزيون الرسمي أخبار أنثى الثعلب، والدجاجة التي ولدت توأمين، والمواطنين السعداء في انتظار رغيف الخبز كرياضة روحية ويوغا، وتفزع المذيعات إلى طابور جرة الغاز الذهبية، جرة الكنز والنار، في قصة الأوديسة السورية.

ربما أخطأنا في تسمية خليستاكوف، وتشخيصه، فقد يكون ترامب وقد يكون جو بايدن، وقد وقعنا بثوراتنا ضحية المفتش المتنكر، ويمكن أن نتذكر خليستاكوف في هذه الشخصيات؛ السفير الأمريكي فورد الذي زار حماة، ومبعوثو الأمم المتحدة كوفي أنان والدابي والأخضر الإبراهيمي وغير بيدرسن وديمستورا.. الذين تبيّن لنا أنهم نصابون، ولم يأت المفتش العام بعد، ليس لأن التفتيش ممنوع، فكل شيء ظاهر مكشوف، والأسد منتوف.

twitter.com/OmarImaromar