قضايا وآراء

الدكتور أكرم الخروبي.. ألف رجل في رجل

1300x600
حظينا بزيارة فريدة لرجل نقش في قلوبنا بابتسامته المشرقة لوحات فنية وزرع إرادات عالية وعزائم نبيلة، هي ذات الابتسامة التي دخل بها سجن عسقلان قبل خمسة وعشرين عاما، رجل بأعلى الدرجات العلمية ويتبوأ درجة البروفيسور في جامعته، يبتسم في يومه الأول لحبسة قوامها اثنتا عشرة سنة، وينزل إلى ملعب كرة السلة في سجن عسقلان ليلعب مع الشباب وكأنه ينزل في مختبر الجامعة ليحاضر في طلبة الطبّ، يبتسم لأهوال حبسة طويلة قطعته عن حياته الأكاديمية بصورة قاسية، كما يبتسم اليوم لمرض السرطان الذي ينتشر بجحافل جيشه الشرس في صدره. 

عندما اقتحموا بيته ليلة اعتقاله واجه جيشا مدججا بكل أسلحة الفتك والقمع بعبوسة قاتمة خارجة عن سياق ابتسامته الجميلة، ثم التفت لزوجته وأطفاله مودّعا ومشرقا على قلوبهم بابتسامته المعهودة، ابتسامة قالت لهم كثيرا: لا تقلقوا فنحن المتجذرين في فلسطيننا، لن نتركها لهم، هجّرونا قسرا من قرية "لفتا" المقدسيّة فأقمنا في مدينة البيرة وعيون قلوبنا ترنو إليها ودوما يعلوها الأمل بالعودة، لا تحزنوا وبادلوني الابتسامة، حتما سينتصر الحق على الباطل ولن يفلح الظالمون.

تكالبوا عليه في زنازين التحقيق، ابتسم ساخرا من شبحهم وصلبه بين سقفهم الأسود وجدرانهم المطبقة الحاقدة وكل أساليب تحقيقهم القذرة، انهالوا عليه بكل سفاهات لصوصيّتهم. اللصّ يسائل صاحب الجمل وما حمل، ويتطفّل على صحرائه النقيّة وسمائه الصافية وروحه النديّة، يصبّون فوق رأسه كلّ أحقاد صدورهم، يبتسم ويمضي بكبريائه قابضا على الجمر ومترفّعا عن كل خرافاتهم النكرة السوداء.

في السجن يرسي قواعد معادلات تفكيره العلمية فيصبغ الحياة التنظيمية والسياسية صبغة رائقة جديدة جميلة، يرفع سارية السفينة ويوجّه البوصلة سبل الرشاد والحكمة.. أينما حلّ نفع، أرشد ووجّه وصقل التجربة ورقّى من معه ومن حوله مراقي العقل ومدارج الحكمة.. لا تقف أمام معاشر الأسرى معضلة ولا تتعقّد عقدة إلا ووجدوا عند الدكتور أكرم المخرج والحلّ، يدير أسئلته الى حيث منابع الخير وصوابية الرأي وهو مبتسم هادئ السّمت طيّب القلب منشرح الصدر، وبرتابة صوته الهامس اللطيف تنبعث كلمات الحلّ التي تتجلّى فيها علامات القبول وإشراقات الوجوه الطيبة.

ابتسم لي ذات مرّة فكانت انطلاقة كاتب، جلس متوددا ومتحبّبا كعادته على حافّة برشي، سألني: ماذا تكتب؟ ولمّا قرأ قال: ماذا تفعل بهذه هنا؟ وشجعني على إخراجها فانطلق الكتاب الأوّل: مدفن الأحياء ولتنطلق بعدها المسيرة، وعندما خرجت من السجن: اتصل وسأل: ماذا أنت فاعل، أجبته: لم أجد اهتماما من أحد، فهتف: أنت الآن من سيجد عندك الناس حاجتهم، انطلق وشقّ طريقك بنفسك. فكانت أيضا نقطة انطلاق جديدة، يعرف كيف وأين يضع توجيهاته السامية.

انحاز إلى ساحة النضال والمواجهة والاشتباك مع المحتلّ وهو في ذروة المعرفة والدرجة الأكاديمية، وهذه قلّما نجدها، إذ كما قالوا فإن الثورة تنتصر على أنصاف المتعلمين، بينما دكتورنا ينتصر للثورة وهو في هذه القمّة العالية، ورغم ما لهذا الانحياز من ثمن كبير إلا أنه استعدّ لدفعه حبّا وعشقا للمبادئ التي اعتنقها، وكان لها الأثر الكبير في هذا التحوّل النوعي في مسيرة حياته، وهذا انعكس كترجمة عملية على كلّ أوجه نشاطاته. فالجمع بين العلم والعمل قلّ من الناس من يسلك طريقه، نجد من يقول ويصرّح وينظّر ويعلّم الناس، ونجد من يعمل دون أن يكون له القدرة على ممارسة العلم، أما أن نجد من يجمع بينهما فهذه ذروة سنام من يرفعون راية القضية وتهتف لفلسطين قلوبهم عشقا قبل أن تهتف ألسنتهم شعارا وقولا.

ثم إننا وجدنا من يجمع بين المبادئ وإعمال العقل بحالة تكاملية فريدة، هناك في السجن وخارج السجن من يرفع راية المبادئ، سواء كانت الوطنية أم الدينية، ولكنه يجمّد العقل أو لا يعطيه دوره الكامل في فهم المبادئ والقدرة العالية على خدمتها ثم توظيفها في العمل السياسي الرشيد، أما أن تجمع بينهما في حالة تكاملية دون أن يبغي أحدهما على الآخر، أو أن ينقص من شأنه ويخفض من دوره خاصة في الميدان السياسي الذي تجد الناس فيه أحيانا من يخلع مبادئه كما يخلع ثيابه أو أن يطمس على عقله بجمود كأنه بلا عقل، فإن دكتورنا طرح نموذجا تتداخل فيه قوة المبادئ مع نور العقل فتخرج للناس معادلة وقدرة عالية على مواجهة تعقيدات الواقع بطريقة إبداعية ناجحة ومجدية، تؤتي أكلها بتقديرات واقعية لفن الممكن وحضور للمبادئ بكلّ قدراتها العالية.

أذكر من المواقف المشرقة في الإضراب المفتوح عن الطعام عام 2000 الذي خاضته السجون وفي يومه الثلاثين، تمكّن دكتورنا مع قيادة السجون حينها من فرض زيارة خاصة لسجن هدريم والاجتماع مع قيادة السجن الفصائلية، والاتفاق على إنهاء الإضراب وعلى تحقيق أغلب مطالب المضربين. فكان لنهج التفكير العملي الذي يسلك سبله الدكتور الأثر الكبير في إنجاح تلك الإرادة القوية التي تتسلح بقوة المبدأ وحنكة السياسة وإدارة المعركة.

وقدّر الله له بعد تلك الحبسة الطويلة وبعد الإفراج عنه أن يخوض معركة من نوع آخر، إنه مرض العصر الفظ القاسي الصعب الذي يداهم المرء على حين غرّة ومن حيث لا يتوقع أو يحتسب، فكانت الابتسامة وكان ذاك الثبات الذي اعتاده في زنازين المحتلّ.. ذاك عدوان واضح المعالم بقواعد اشتباك باتت تتسلّح بالخبرة والمعرفة ذات الرصيد العالي في التاريخ الفلسطيني المعاصر، بينما هذا الاحتلال الجديد الذي يبسط نفوذه وينزل قوّاته في أعماق الصدر دون أن يكون واضحا، ومن غير أن تسلك سبل مواجهة معروفة إلا اللهم ما وصلت إليه الخبرات الطبية من قواعد اشتباك تصيب فيه هذه الخبرات وتخطئ.

هما احتلال واحد بوجهين مختلفين، ذاك سرطان على الأرض وهذا سرطان في الصدر، ولا أظنّ أن المسافة بينهما بعيدة خاصّة وأنه خضع في سجون الاحتلال للعلاج المشحون بالإهمال الطبّي المبرمج، لا نملك دليلا على توّرط الاحتلال في زرع هذا السرطان، ولكن أجواء السجن ذات الاتصالات الهوائية المكثّفة وطعامه وهواءه وماءه ودواءه كلها مُسرطنة بامتياز.

 وكما واجه دكتورنا الاحتلال الأوّل يواجه الثاني بذات الابتسامة المشرقة لقدر الله، خاض معركته الأولى وانتصر بعون الله، وبعد سنتين عادت المواجهة على أشدّها وحمي وطيس المعركة إلى أبعد حدودها، ضرب الألم كلّ أوصاله بمعركة لا تتوقف لا ليلا ولا نهارا، ومع هذا وجدناه متابعا لعمله في جامعة القدس بكل التفاصيل والتوجيهات العلمية الممكنة. هو رجل لا يتوقّف عن العطاء وفي أصعب الظروف وأشدها حلكة. 

الدكتور أكرم الخروبي لا أبالغ إن قلت أنه ألف رجل في رجل، كان وما زال في مقدمة الركب في كلّ الميادين التي شهدت له بعطائه المميّز، في ميدان الجهاد والثورة ثم في ميدان السجون والمواجهة الملتهبة المباشرة مع أعتى سجّان عرفته البشرية، ثم في ميادين العلم والمعرفة والحياة الأكاديمية في أعلى مواقعها. إنه تلك الشجرة التي تجمع بين الوعي والثورة ذات الأصل الثابت وفرعها الباسق في السماء.. إنه ذاك القابض على جمرتي الوعي والثورة معا.

أختم بدعاء حارّ أن يحفظ له هذه الابتسامة، وأن يكلّلها بانتصار جديد يضيفه إلى سلسلة انتصاراته الرائدة المميّزة.