كتب

مستعمرات فرنسا والطريق إلى الحقيقة.. قراءة في كتاب

المستعمرات الفرنسية.. وثائق ومحطات تاريخية (تويتر)

طالب عدد من اللبنانيين بعودة الاحتلال الفرنسي خلال زيارة زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون، حيث وقع أكثر من 35 ألف لبناني عريضة يطالبون فيها بعودة الانتداب الفرنسي، بديلاً عن النظام اللبناني الحالي بزعم فساده. وهتف بعض اللبنانيّين: "تحيا فرنسا" باللغة الفرنسيّة.

هذا المشهد المؤسف الذي يريد أن يعيد لبنان إلى حضن الاستعمار الفرنسي بقالب جديد، هذا الاستعمار الفرنسي الحديث هو استمرار للاستعمار الفرنسي القديم، الذي لم يكن يومًا من الأيام مهمته إنسانية، ولم ينتصر إلى الشعوب، ولكنه ارتكب مجازر وتطهيرا عرقيا بحق الشعوب تحت ذرائع نشر الحضارة، وحقوق الإنسان.

فقد جمع جاك مورال (Jacques Morel)، عالم الرياضيات، والناشط في مجال حقوق الإنسان، ومتابعة جرائم فرنسا الاستعمارية، على مدى تسع سنوات كمًّا كبيرًا من الوثائق السرية المتعلّقة بتورّط فرنسا في أعمال الإبادة التي وقعت في رواندا عام 1994. وقد أصدر مورال كتابه (Calendrier des crimes de la france outre- mer)، حيث كرس جهده وبالاعتماد على المصادر الموثوقة لتقديم سرد مختصر عن أهم ما ارتكبته فرنسا بحق الشعوب والدول التي استعمرتها من إبادة وظلم وتعد على الحرث والنسل. وتم ترجمة الكتاب إلى العربية تحت عنوان "روزنامة جرائم فرنسا في عالم ما وراء البحار، في مستعمّراتها"، عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، ط1، 2017، نقله إلى العربية، عماد أيوب.

يقع الكتاب في 232 صفحة من الحجم المتوسط، ويتألف الكتاب من مقدمة المركز، ومقدمة المؤلف، واثني عشر فصلاً، مرتبة بأسماء الشهور.

يهدف المؤلف في هذا الكتاب إلى "المساعدة في إحراز تقدم على طريق الحقيقة وحمل الفرنسيين على الاعتراف بالجرائم التي ارتِكَبت باسمهم. فالقضية ليست إجراء استبطان مرضي، وإنما ببساطة الدعوة إلى الاعتراف بالوقائع حتى ينتهي الإفلات من العقاب ولا يعود أي فرنسي في المستقبل قادرًا، باسم فرنسا، على ارتكاب مثل تلك الجرائم أو التسامح معها." (ص 17)

إن فكرة وضع روزنامة حول جرائم فرنسا الاستعمارية ولدت خلال مناقشة للجمعية العمومية لمؤسسة "بقاء" في ربيع عام 1997.

يقول المؤلف: "إن الحاجة إلى التذكير بهذه الأحداث غير المشرفة للضمير الفرنسي ظهرت في العام 1994. فقد كان عدد من أعضاء المؤسسة ساخطين لاكتشافهم أن فرنسا كانت متورطة مع مدبري المجزرة الذين أمروا، في رواندا، بإبادة أناس يُقال لهم التوتسي (Tutsi) وآخرين يُقال لهم الهوتو (Hutu) " (ص 15).
 
تبدأ جرائم فرنسا عند مورال من "سنة 1099، أي تاريخ احتلال القدس من قبل الصليبيين: وهؤلاء فرنجة يتحدّر قسم كبير منهم مما أصبح لاحقاً فرنسا. شارك ملوك فرنسا في الحروب الصليبية التي تلت؛ الحرب الصليبية هي حرب تُبشر بها الكنيسة. وما تزال عقلية الحروب الصليبية إلى يومنا هذا. وقد شكل التعاون بين المبشرين الكاثوليك والجيش الفرنسي أحد المحركات الرئيسة للاستعمار الفرنسي". (ص 16).

"إن التعاون الحثيث بين المُبشرين والجنود أو حكام المستعمرات الذين كانوا في الغالب مُعادين لرجال الدين، يُرجعنا إلى الحدث المؤسس الذي هو احتلال القدس سنة 1099. لم نتوقف عند نهاية الاستعمار لأن التدخل الفرنسي في العديد من البلدان لم يتوقف أبداً. إنها إذن روزنامة خاصة بالجرائم الاستعمارية وجرائم الاستعمار الجديد. لقد اعتمدنا تسمية جغرافية بحت: الجرائم المُرتَكبة في عالم ما وراء البحار." (ص 18).

 

شارك ملوك فرنسا في الحروب الصليبية التي تلت؛ الحرب الصليبية هي حرب تُبشر بها الكنيسة. وما تزال عقلية الحروب الصليبية إلى يومنا هذا. وقد شكل التعاون بين المبشرين الكاثوليك والجيش الفرنسي أحد المحركات الرئيسة للاستعمار الفرنسي

 



تم اختيار جرائم فرنسا، بحسب مورال، "انطلاقاً من الوثائق المكتوبة والكتب الجديدة التي بيع قسم أساسي منها في المكتبات. إن توثيقنا محدود ومجموع بلا شك بشكل قليل الموضوعية. إن الوقائع المعروضة في الكتاب تعكس الاعتباط في توثيقنا. كان يمكن لجهد معين في المكتبة أن يكون ضروريًا لكن ليس لدينا متسع من الوقت لذلك. إنه عمل غير جامعي، بل لنقل إنه عمل نضالي." (ص 19).

تكمن أهمية الكتاب في كشف الوجة الحقيقي للجمهورية الفرنسية؛ أنه روزنامة خاصة بالجرائم الدموية الفرنسية، بالإضافة إلى جرائم التشريعات التي سنت قانون العبيد والخطاب العرقي (العنصري)، وهي جزء من تاريخ يستحق ليس فقط تسجيله، وإنما استخلاص العبر منه حتى لا يتكرر الجانب المظلم منه في عالم لم يعد يعترف بالحدود بين دوله، ولم يعد يقبل بالصمت على انتهاك حقوق الإنسان بغض النظر عن أصله.

ولا شك أن قادة فرنسا الجدد وهم يبشرون بالعلمانية والحداثة والديمقراطية، معنيون بمراجعة هذا التاريخ، ليكون منسجما مع يدعون إليه من قيم إنسانية وحداثية.

 

وسيكون على أنصار فرنسا في لبنان، من أولئك الذين طالبوا بعودة الاستعمار الفرنسي تعبيرا عن غضبهم من نخبهم السياسية واحتجاجا على واقعهم الاقتصادي المزري، أن يتأملوا في الصورة الفرنسية برمتها، وأن الأوطان تبنى بعرق أبنائها..