كتب

هكذا أدار عبد الناصر علاقات مصر مع أمريكا والاتحاد السوفييتي

كتاب يشرح بالوثائق محددات العلاقات المصرية ـ السوفييتية واتجاهاتها (عربي21)

الكتاب: القاهرة ـ موسكو: وثائق وأسرار (1952 ـ 1986)
المؤلف: د. سامي عمارة. 
الناشر: دار الشروق ـ القاهرة ـ 2019

تكتسي العلاقات السوفييتية ـ المصرية أهمية خاصة، فمصر هي أول دولة عربية أقامت علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي (1943)، وهي أول دولة عربية تلقت صفقة أسلحة سوفييتية، ومصر هي التي تحوَّل رئيسها من العداء الشديد للشيوعية (1952 ـ 1955)، إلى حد طلب التحاق مصر بالمعسكر الاشتراكي، بعد هزيمة 1967.

يبدو أن هذا ما دفع د. سامي عمارة إلى تخصيص كتابه هذا لتغطية تلك العلاقات. وعمارة هو مراسل عدة صحف عربية، في موسكو، وكان بدأ حياته العملية مترجما مع الخبراء الروس في الجيش المصري، ثم انتقل بإقامته إلى موسكو، قبل ما يربو عن النصف قرن.

يقع الكتاب في 264 صفحة من القطع المتوسط، خصَّص المؤلف نحو عشرين صفحة للملاحق. وقد توزَّع الكتاب على عشرة فصول. جاء أولها تحت عنوان: "كيف اعتبر ستالين ثورة يوليو 1952 انقلابا عسكريا؟!" وبرأيي أنه ليس في ذلك ما يقلل من شأن ثورة تموز/ يوليو المصرية، التي بدأت انقلابا عسكريا، أخذ بالتحوُّل بعد ثلاث سنوات إلى ثورة. كما أخذت تبتعد بالتدريج، عن واشنطن، التي انكشف تحيُّزها لإسرائيل، وتهربها من تنمية مصر، وتسليح جيشها. وليس في الأمر إساءة تقدير من دانييل سولود، السفير السوفييتي في القاهرة، آنذاك، أو تأثر سولود بتحليلات الشيوعيين المصريين "للحركة المباركة" (23 يوليو)! خاصة أن "حدتو" كبرى المنظمات الشيوعية المصرية ـ ظلت تؤيد تلك "الحركة المباركة" إلى ما بعد هبة آذار (مارس) 1954!

عبثا، حاولت مصر، منذ العام 1954، الحصول على أسلحة سوفييتية، إلى أن فقدت قيادة يوليو الأمل في الولايات المتحدة، فاستجيب، لطلبها التسلح من موسكو، بعد أن تصدت القاهرة لحلف بغداد (1955 ـ 1956). وتُوّجت اللقاءات بين الطرفين، السوفييتي والمصري، بعد صفقة السلاح الأولى، في أيلول/ سبتمبر 1955.

تأجلت زيارة عبد الناصر لموسكو، غير مرة، إلى أن تحققت، في نيسان/ أبريل 1958.

تحت عنوان تأميم قناة السويس وإنذار خروشوف جاء الفصل الثاني، حيث رأى السوفييت في تأميم مصر لقناة السويس (26/7/1956) عملا مشروعا، من وجهة نظر القانون الدولي، كما حذّرت موسكو الغرب من مغبة الاستعدادات العسكرية، من بريطانيا وفرنسا، للعدوان ضد مصر (ص47). كما فضح شيبيليوف، وزير الخارجية السوفييتية "ما بذلته الولايات المتحدة، من محاولات غير مباشرة، بهدف تدويل قناة السويس، وتورّط واشنطن في "العدوان الثلاثي" على مصر (ص49).

مع هذا كله، فإن واشنطن لم تتأخر عن إصدار بيان مشترك، مع موسكو، أدان هذا العدوان، "في أول سابقة تقول بتعاون، الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتي، ضد اثنين من أعضاء (حلف الناتو): بريطانيا وفرنسا (ص50). 

حين وقع "العدوان الثلاثي" على مصر، وقطاع غزة، فإن الاتحاد السوفييتي سارع إلى إصدار إنذاره الشهير، في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر، هدَّد فيه بقصف عواصم العدوان الثلاثة بالصواريخ عابرة القارات.

حين وقع الخلاف المصري ـ السوفييتي، عقب إعلان الدولة الوحدة، فإن عبد الناصر تنكّر لفضل هذا الإنذار، واستخف به، وإن كان عاد وامتدحه، وطالب السوفييت باتخاذ مثله، بعد الهزيمة العربية في حرب 1967.

في سياق "التعاون غير المشروط"، موَّل الاتحاد السوفييتي بناء السد العالي في مصر، وإن تردَّد عبد الناصر كثيرا في عقد "معاهدة صداقة" مع الاتحاد السوفييتي؛ تجنبا لمشاكل سياسية داخلية في مصر. الأمر الذي أقدم عليه السادات، للمفارقة، حتى ينتهكه بعد حين.

في أول لقاء بين الرئيسيين، نيكيتا خروشوف، وعبد الناصر، في نيسان/ أبريل 1958، في موسكو، وعليه تأسست الصداقة السوفييتية ـ المصرية، التي سرعان ما تعرَّضت لهزّة، حين اصطدم عبد الناصر بالشيوعيين، أولا في سوريا، حيث رفضوا حل حزبهم، على غرار بقية الأحزاب السورية، واعتبر المؤلف ذلك "عداء للوحدة"! مكررا الاتهامات الجزافية التي سبق أن ساقها عبد الناصر، وإعلانه، دون روية، واستفحل الخلاف بين الشيوعيين، وعبد الناصر، حين عرض الأخير على النظام الثوري في العراق دخوله في وحدة فورية اندماجية مع "العربية المتحدة"، فرد الرئيس العراقي، عبد الكريم قاسم، باقتراح البدء باتحاد فيدرالي؛ وكانت القطيعة بين النظامين الثوريين في العراق، ومصر، وحدث أن كان "الشيوعي العراقي" ضمن من أيَّد قاسم في اقتراحه هذا؛ حتى تتم المواءمة بين الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية، بين "المتحدة"، والعراق. بينما وقف "البعث"، و"القوميون العرب"، وجزء كبير من "الاستقلال" مع صيغة الوحدة الفورية. 

أما المفارقة، فتمثلت في أن "البعث"، حين أسقط بالدم، نظام قاسم، فإن الأول لم يسارع إلى إقامة تلك الوحدة الاندماجية، أو حتى الاتحاد الفيدرالي! بل، حين تمكن عبد السلام عارف، ذو الاتجاه الناصري، من إسقاط "البعث"، بعد نحو تسعة أشهر من الانقلاب الأخير على قاسم، فإن عارف لم يُقدم، أيضا، على أي من الوحدة، أو الاتحاد.

على أن جهود عبد الناصر، وخروشوف، سرعان ما نجحت في تبريد الأزمة، بين الدولتين (ص 98 ـ 114).

 

فاجأ عبد الناصر الجميع بتعيين أنور السادات نائبا لرئيس الجمهورية المصرية، في كانون الأول/ ديسمبر 1969؛ أغلب الظن حتى يرطِّب الأجواء مع واشنطن، أولا، ويبتز السوفييت، ثانيا؛ بإمكانية تسليم الرئاسة المصرية لرجل قريب من واشنطن، حتى يعالج معها "آثار العدوان".

 



نعود إلى اللقاء الأول بين الرئيسين، السوفييتي والمصري، الذي فاق كل التوقعات بالنتائج الإيجابية، التي ترتبت عنه؛ إذ كان "إيذانا ببدء مرحلة نوعية جديدة، في تاريخ العلاقات، ليس فقط بين الاتحاد السوفييتي ومصر، بل مع العالم العربي، ومعظم الشرق الأوسط "(ص 70)، في نظر خبراء سوفييت عديدين. ما أزعج إسرائيل، فسارع ديفيد بن غوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي، إلى طلب وساطة السوفييت في تدبير لقاء له، مع عبد الناصر. وقرن بن غوريون طلبه هذا بطلب صفقة أسلحة سوفييتية، فما كان من السوفييت إلا أن رفضوا الاقتراحين، جملة وتفصيلا. وإن لم يمنع هذا الرفض الجانب الإسرائيلي من تكرار المحاولة، غير مرة.

إلى أن كانت حرب حزيران/ يونيو 1967، بنتائجها الكارثية على العرب، التي حاولت أطراف عربية اتهام السوفييت بالتقصير فيها، وبعدها أغدق السوفييت على مصر، وسوريا المساعدات العسكرية، حتى وصلت حد إرسال خبراء، وطيَّارين، وأطقم تشغيل الصواريخ. واللافت أن عبد الناصر عرض على السوفييت خروج مصر من "عالم عدم الانحياز"، ودخولها "المعسكر الاشتراكي"، الأمر الذي اعتذر السوفييت عن عدم قبوله (ص 153 ـ 154، 157 ـ 158)؛ أغلب الظن، لأن اشتراكية عبد الناصر كانت لا تزال بعيدة عن الماركسية، وأقرب إلى "رأسمالية الدولة الوطنية". وإن كان الأهم أن عبد الناصر ابتغى بتلك الخطوة توريط الاتحاد السوفييتي، بالكامل، في أمر "تصفية العدوان الإسرائيلي".

فاجأ عبد الناصر الجميع بتعيين أنور السادات نائبا لرئيس الجمهورية المصرية، في كانون الأول/ ديسمبر 1969؛ أغلب الظن حتى يرطِّب الأجواء مع واشنطن، أولا، ويبتز السوفييت، ثانيا؛ بإمكانية تسليم الرئاسة المصرية لرجل قريب من واشنطن، حتى يعالج معها "آثار العدوان". وقد تأكدت الفرضية الثانية، حين سافر عبد الناصر إلى موسكو، بعد عدة أسابيع، وطرح على القادة السوفييت فرضيتنا الثانية، فنجح في الحصول على كل ما طلب من أسلحة، ومعدات، وخبراء، وطيارين. لكن، حين طلبت موسكو قاعدة بحرية في الإسكندرية، اعتذر عبد الناصر عن عدم تلبية هذا الطلب، حتى لا يُتهم بأنه "باع البلد والجيش للروس"! كما اشتكى عبد الناصر زميله، عبد الحكيم عامر، للسوفييت، ليسبر غورهم في أمر تصفية مجموعة عامر، في الجيش، والحياة السياسية، وذلك قبيل أن يُقدم عبد الناصر على هذه التصفية، في 25 آب/ أغسطس 1967. (ص 163 ـ 166).

نزلت موسكو بثقلها في مجلس الأمن الدولي، من أجل الحصول على قرار متوازن، في سبيل "إزالة آثار العدوان"، حتى كان القرار 242 إياه. وعن تدمير البحرية المصرية، المدمرة الإسرائيلية "إيلات"، (21/10/1967)، وتداعياته، خصَّص عمارة أربع عشرة صفحة من كتابه. ص 175 ـ 179).

صرف عبد الناصر جُلَّ وقته، وجهده، من أجل الإسراع في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية، الأمر الذي حاول خَلَفُه، أنور السادات تدمير كل ما بناه سَلَفه؛ إذ فاجأ السادات الجميع، حين قرر طرد الخبراء السوفييت من مصر، في 8 تمّوز/ يوليو 1972، التي لم تكن تستهدف الخداع، والتمويه من قِبل السادات، بل التقارب مع واشنطن "التي تمتلك 99% من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط" بكلمات السادات نفسه. (ص 19). 

على أن ثمة هدفا ثالثا للسادات أفلت من المؤلف، وأورده مراد غالب، في مذكراته، حين ذكر بأنه كان يجلس بجانب الفريق محمد صادق، وزير الحربية المصرية، حين ذكر السادات في خطابه أمر طرد الخبراء، فهمهم صادق بأنه بذلك يكون السادات قد تخلَّص منه (صادق)! ذلك أن هيكل بدأ في التنغيص على السوفييت، عبر يومية "الأهرام"، ووصل الأمر بهيكل حد شماتته بسقوط طياريين سوفييت، زمن عبد الناصر، بفعل الطائرات الإسرائيلية، بينما كان امتداد هيكل في الجيش، وأعني به صادق، يتفنن في إذلال الخبراء السوفييت، وعائلاتهم. (ص 195 ـ 202). أغلب الظن حتى يُظهر هيكل وصادق السادات في صورة التابع للسوفييت، فتغدى بهما السادات، قبل أن يتعشيا به.

 

صرف عبد الناصر جُلَّ وقته، وجهده، من أجل الإسراع في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية، الأمر الذي حاول خَلَفُه، أنور السادات تدمير كل ما بناه سَلَفه؛ إذ فاجأ السادات الجميع، حين قرر طرد الخبراء السوفييت من مصر، في 8 تمّوز/ يوليو 1972، التي لم تكن تستهدف الخداع، والتمويه من قِبل السادات، بل التقارب مع واشنطن "التي تمتلك 99% من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط" بكلمات السادات نفسه.

 

 


في سياق محاولات السادات للاتجاه يمينا، والطلب إلى سائق سيارته بإعطائه إشارة للاتجاه لليسار، بكلمات إيريك رولو، الصحفي الفرنسي المرموق، فإن السادات عمد إلى تشكيل وزارة ناصرية ـ يسارية، عهد برئاستها إلى عزيز صدقي، وضمّت وزيرين من رموز الشيوعيين، الأمر الذي لم يحدث في عهد عبد الناصر. وإن تمكنت هذه الوزارة من تخفيف بعض بشاعات السادات، خاصة في العلاقة مع السوفييت، ولولا وزارة صدقي لما أمكن التخفيف من جُرح طرد الخبراء السوفييت، الذي ترك الكثير من الندوب عند السوفييت. وإن تعالوا على جراحهم، وأمدوا الجيش المصري بالسلاح، والعتاد، والخبراء، حتى إن هيكل نفسه ساوى جسر السلاح الذي أمد به السوفييت مصر، ونظيره الذي أمدت به الولايات المتحدة إسرائيل، عشية، وبعد نشوب حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973. وإن كان السادات تصرف على نحو مثير للاستهجان، في اليوم التالي لاندلاع تلك الحرب، حين أرسل إلى هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي، حينذاك، يؤكد له بأن القوات المصرية لن تطوِّر هجومها، في سيناء! وحسب هيكل، أيضا، فإن السادات أبلغ كيسنجر، بعد نحو شهر واحد من اندلاع الحرب، بإجراء تغييرات سياسية جذرية، داخلية وخارجية؛ ما عزَّز مخاوف السوفييت من هذا الكشف السريع عن توجهات السادات الاستسلامية، والمعادية للسوفييت. ووصل أداء السادات في هذا الصدد، حد إغلاق السفارة، والقنصليات السوفييتية في المدن المصرية، وطرد السفير السوفييتي، وسحب السفير المصري (أيلول / سبتمبر1981)، ضمن خطوات صلح السادات مع إسرائيل، العام 1978!

حين خلف مبارك السادات، عمد الأول إلى محاولة مسح سلبيات السادات، وبضمنها العلاقة مع السوفييت، التي قرر مبارك إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، خريف 1984، فاختارت موسكو ألكسندر بيلولوغوف سفيرا لها في القاهرة، وهو السفير نفسه الذي كان السادات طرده، قبل نحو ست سنوات من هذه العودة.

وبعد، فنحن أمام كتاب يغطي شأنا سياسيا مهما، متكئا على وثاثق رسمية سرية سوفييتية، وبدرجة أقل، ومن باب المقارنة، بكتب مصرية، وخاصة لهيكل. وكم وددت لو أن المؤلف اطلع على الوثائق الأمريكية، المنشورة عن هذه الفترة، كما أن عمارة ترك اسم كامل البنداري، على خطئه الوارد في تقرير للسفير السوفييتي في القاهرة، الذي كتبه "محمد البنداري". ولو كان هكذا ورد في الوثيقة، فقد وجب على المؤلف أن يُلحقه بحاشية. على أن هذه الهفوة لا تقلل من القيمة التاريخية ـ السياسية الكبيرة لهذا الكتاب المرجع.