أخبار ثقافية

إمام الحرمين الجويني.. المحنة ومهاجمة الفلاسفة

أبو المعالي الجويني كان يلقب بـ"إمام الحرمين" ويعد أحد أبرز علماء السنة عامة والأشاعرة خاصة

هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن حيوة الجويني (1028- 1085م)، المعروف بـ أبي المعالي، ولد في بيت عُرف بالعلم والتدين، حيث كان والده أبو محمد الجويني أحد علماء وفقهاء نيسابور المعروفين وله مؤلفات كثيرة في التفسير والفقه والعقائد والعبادات.

أخذ الجويني الأب والابن في ترسيخ المذهب الأشعري في خراسان، في وقت كانت تنشأ فيه سلطة جديدة تمثل السلاجقة في نيسابور، حيث كان المذهب الأشعري يتعرض لضغوط شديدة من قبل السلطات.

يذكر ابن عساكر أن محنة الأشاعرة بدأت (1053- 1054م) في نيسابور في عهد طغرلبيك الذي أراد أن يحصل على دعم السنة المتشددين لتثبيت ملكه، فنقم هو ووزيره أبو مضر منصور بن محمد الكندري على الأشاعرة.

وذكر السبكي أن الكندري صار يهين الأشاعرة ويمنعهم من التدريس والوعظ والخطابة، واستعان بطائفة من المعتزلة الذين يقلدون مذهب الحنفية.

وذكر ابن الأثير أن الكندري كان شديد التعصب على الشافعية، كثير الوقيعة في الشافعي، بلغ من تعصبه أنه خاطب السلطان طغرلبك في لعن الشيعة على منابر خراسان، فأذن في ذلك، وأضاف إليهم الأشعرية.

انتقل الوزير الكندري بعد ذلك إلى اعتقال أئمة الأشاعرة، فاعتقل القشيري وأبا سهل بن الموفق والرئيس الفراتي، لكن أبا المعالي الجويني استطاع الاختفاء والذهاب إلى الحجاز عبر كرمان. 

اختلف الوضع في نيسابور بعد تولي ألب أرسلان الملك، وتولي نظام الملك الوزارة، فعاد الجويني إلى نيسابور، وقام نظام الملك الطوسي بمنح الجويني التدريس في المدرسة النظامية بنيسابور لمكانته العلمية بين الشافعية والأشعرية.

من مؤلفاته: نهاية المطلب في دراية المذهب، الورقات في أصول الفقة، مغيث الخلق في بيان الأحق، لمع الأدلة في قواعد أهل السنة، الشامل في أصول الدين، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد.

الإلهيات

في عهد الجويني كانت الفلسفة قد ثبتت مكانها على الصعيد الفكري مع الفارابي وابن سينا، فبدأ الأشاعرة منذ القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، بمواجهة موقف الفلاسفة القائلين بقدم العالم.

وفي محاولته إثبات العلم بالصانع يشير الجويني إلى طريقين: الأول طريق الاستدلال بالجملة، والثاني طريق استناد العلم بالمحدث إلى ضرورات العقول.

يكتب الجويني في كتابه الشامل:

إذا ثبت وجود المحدثات في وقـت معين فـإن 
ذلـك لا يكــون مـن تلقـاء ذاتهـا وإلا لأمكـن أن 
تكـون قديمة كواجب الوجــود أو أن تظل قبـل
وجودها في حال العدم فلا تخرج إلى الوجود
فجواز وجـود الحـادث لا يمكن أن يكـون لـذاته
وإنما لمعنـى زائد عليه غير قائم به، فالحادث
إذن مفتقر إلى المحدث.

بعد ذلك، اتجه الجويني إلى نفي التشبيه عن الله تعالى، فوجه نقده إلى فريقين: 

الأول، غالى في نفي التشبيه عن الله، وهم الفلاسفة وبعض الباطنية ممن قالوا إن القديم لا يوصف بالوجود، وإنما يقال عنه أنه ليس بمعدوم، ولا يوصف بكونه عالما قادرا، بل يقال ليس بميت ولا عاجز.

الفريق الثاني، غالى في التثبيت فاقترب من التشبيه، فذهبوا إلى أن الله جسم، ونشأ عن ذلك فريق يقول بالحلول.

ويسير الجويني على خطى من سبقوه من الأشاعرة بالقول إن الله عالم بعلم قديم قادر بقدرة قديمة وحي بحياة قديمة.. إلخ.

لكن الجويني خالف أسلافه من الأشاعرة في ما يتعلق بالصفات الخبرية، مقتربا بذلك من المعتزلة التي تنكر أن تكون الصفات الخبرية (السمع، البصر، اليد، الاستواء) مجسمة.

ويعدد الجويني القائلين بالتجسيم أو المشبهة، وهم الكرامية، غلاة المجسمة من أمثال: مقاتل بن سليمان، القائلون بالحلول، النصارى القائلون باتحاد اللاهوت بالناسوت، اليهود.

وفي مقابل المشبهة، يوجد المعطلة، ممن عطلوا الصفات الإلهية، وهم الفلاسفة وبعض الباطنية، ويلاحظ عبد الرحمن بدوي أن الجويني لم يذكر المعتزلة من بين المعطلة، وهي فطنة من الجويني، لأن البعض زعم أن المعتزلة قالت بالتعطيل.

ثم ينتقل الجويني لمناقشة مسألة كلام الله التي أثارت حيزا كبيرا في علم الكلام (خلق القرآن)، فيقول إن الله متكلم بكلام أزلي قديم، والدليل عل قدمه أنه لو كان حادثا لم يخل من أمور ثلاثة:

إما أن يقوم بذات الله، أو يقوم بجسم من الأجسام، أو يقوم  بمحل، وقد بطل قيامه بذاته إذ يستحيل قيام الحوادث بذات الله تعالى، لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، وبطل قيام كلامه بجسم، إذ يلزم أن يكون المتكلم ذلك الجسم، وبطل قيام الكلام لا بمحل، فإن الكلام الحادث عرض من الأعراض، ويستحيل قيام الأعراض بأنفسها.

يميز الجويني بين الكلام النفسي القديم والكلام اللفظي الحادث، والكلام النفسي هو جوهر الكلام، والمقصود بالكلام النفسي هو القائم بالنفس، أي التفكير.

الحرية الإنسانية وخلق الأفعال

على خطى الأشعري والباقلاني، يؤكد أبو المعالي الجويني أن الحوادث كلها من خلق الله، بما فيها أفعال الإنسان، من دون أن يعني ذلك أن الإنسان مجبر على أفعاله.

غير أن الجويني لم يستسغ قدرة لا أثر لها (الأشعري) هو كنفي القدرة أصلا، ولم يستسغ إثبات التأثير لهذه القدرة في حالة دون اأخرى (الباقلاني).

يقول الشهرستاني في الملل والنحل إن الجويني تخطى عن هذا البيان قليلا، فقال: أما نفي هذه القدرة والاستطاعة عن الإنسان فمما يأباه العقل والحسن، وأما إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلا، وأما إثبات تأثير في حالة لا يفعل فهو كنفي التأثير.

فلا بد من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة، لا على وجه الإحداث والخلق، فإن الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار، يحس من نفسه أيضا عدم الاستقلال، فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب كنسبة الفعل إلى القدرة، وكذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب.

يواصل الشهرستاني فيقول، إن رأي الجويني هذا لم يأخذه من المذاهب الإسلامية، وإنما من الحكماء الإلهيين.

هنا يتساءل محمد عابد الجابري، هل يعني ما تقدم أن الأشاعرة تجاوزوا مع الجويني المعتزلة وتبنوا موقف الفلاسفة القائلين بالسببية؟

يرى الجابري أن فكرة السبب عند الجويني مرتبطة بالإطار المرجعي البياني وليس بالإطار المرجعي البرهاني، فإذا كان الجويني قد أخذ عن الفلاسفة فكرة تسلسل الأسباب إلى السبب الأول فهو إنما أخذ الشكل دون المضمون، ذلك أن نظرية الجوهر الفرد (الجزء الذي لا يتجزأ) التي كان الجويني والأشاعرة يفكرون داخلها، مثلهم مثل المعتزلة، لا تسمح بالقول بالسببية بالمعنى الفلسفي القائم على الاتصال والتأثير، ولذلك يشنع الفلاسفة بتناقضات المتكلمين في هذه المسألة.

نتابع مع الجويني الذي يقول إن الإنسان قادر على أفعاله، مكتسب لها، والدليل على ذلك أن الإنسان يفرق بين أن ترتعد يده وبين أن يحركها قصدا، ومعنى كونه مكتسبا أنه قادر على فعله وإن لم تكن قدرته مؤثرة في إيقاع المقدر.

رفضت المعتزلة هذا القول وأكدت أنه يستحيل أن يكون مقدورا بين قادرين، فإما أن يكون الفعل مقدورا لله أو للعبد.

يرد الجويني:

الله تعال قبل أن أقـدر عبده وقبل أن اخترعه،
هل كـان موصوفا بالاقتدار علـى ما كـان في 
معلومـه أنه سيقدر عليه من يخترعـه، أم لا؟
فـإن زعمـوا أن الله لم يكـن موصوفا بالاقتدار
علـى مـا سيقـدر عليــه العبـد، فـذلك ظــاهر
البطلان.

لم يفند الجويني كما يقول أحمد محمود صبحي حجج المعتزلة في قضيتين:

1ـ إذا اجتمعت قدرتان على فعل واحد، قدرة الله وقدرة العبد، فإن القدرة الأقوى هي النافذة ولا قيمة لقدرة العبد، ومن ثم أصبح العبد مجبرا.

2ـ تنفي المعتزلة أن تنسب كثيرا من الأفعال البشرية إلى الله، كالطعام والشراب، فلا يصح أن يوصف الله بالقدرة على ما أقدر عباده عليه.

ذهب كثير من الباحثين إلى اعتبار الجويني خاليا من الأصالة الفكرية، فآراؤه ليست سوى امتداد لسابقيه، والجديد الذي قام به هو أن نقده انتقل من نقد المعتزلة إلى نقد الفلاسفة، من دون أن يمتلك عدتهم، ففشل في النيل منهم، لكنه مهد الطريق لأبي حامد الغزالي للهجوم على الفلاسفة.

لكن البعض الآخر مثل السبكي يرى أن كتاب "البرهان في أصول الفقه" للجويني يشتمل على معضلات جمة، لدرجة وصفه بأنه "لغز الأمة"، حيث نحا فيه الجويني نحوا جديدا غاية في الجدة.


ويسير على هذا النحو علي سامي النشار الذي رأى أن الجويني كان أول المتكلمين المتأثرين بمنطق أرسطو:

كــان المظنـون أن إمـام الحـرمين سار على 
منهـج المدرسة الكـلامية الأصــولية الأولـى
إلا أنــه تسنـى لـي بحـث مخطـوطة نــادرة
لكتـاب البرهان فتبين لي أنه وإن كان خالف
منطق أرسطـو فـي نقـاط كثيرة، إلا أنه تـأثر
به إلى حد كبير، بل قد نجد عنده أول محاولة
لمزج منطق أرسطو بأصول الفقه.