سياسة عربية

نشطاء يعيدون نشر مقال عن صلاح الدين ردا على عباس النوري

انتقد النوري وجود تمثال كبير لصلاح الدين وسط دمشق

أعاد نشطاء مقالا بعنوان "صلاح الدين الأيوبي: نقد الهجاء المذهبي وتفكيكه" للكاتب علاء اللامي، في ردهم على هجوم سابق للممثل السوري عباس النوري على صلاح الدين الأيوبي.

 

وكان الممثل السوري الموالي لنظام الأسد عباس النوري، تعرض لهجوم وسخرية واسعة، بعد أن أدلى بتصريحات ومزاعم حول تاريخ القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي.

 

اقرأ أيضا: انتقادات واسعة لعباس النوري بعد هجومه على صلاح الدين

وخلال استضافته على إذاعة سورية، انتقد النوري وجود تمثال كبير لصلاح الدين وسط دمشق، زاعما أن الأخير لم يحرر القدس كما يقرأ في التاريخ.

 

وتاليا نص المقال كاملا:

 

تفاقمتْ مؤخّرًا حملةُ تعريضٍ ببعض الشخصيّات من العصر الإسلاميّ، الذي انتهى بسقوط بغداد بعد الغزو المغوليّ عام 1258م /656هـ. وقد تزامنتْ هذه الحملة مع واقع الاستقطاب الطائفي الشيعيّ ــــ السنّيّ، الذي بلغ حدَّ الاقتتال في العراق بعد احتلاله من قبل القوّات الغربيّة سنة 2003 وفرضِها لنظام المحاصصة الطائفيّة ودستوره، ومع تفاقم جرائم "داعش" ضدّ جميع الطوائف والمذاهب، المسلمة وغير المسلمة. وفي هذا السياق، شنّت بعضُ وسائل الإعلام العراقيّة والعربيّة حملةً شرسةً ضدّ شخصيّة تاريخيّة مهمّة في تاريخنا هو صلاح الدين الأيّوبي، قاهرُ جيوش الفرنجة ومحرِّرُ بيت المقْدس. وتوزّعت الحملة على اتهامات متعدّدة، أبرزُها: أنّه نفّذ مؤامرةً انقلابيّةً ضدّ الفاطميين بأمرٍ من الخليفة العبّاسيّ؛ وأنّه باع بيتَ المقْدس إلى الصليبيين بعد معركة حطّين وشرّد المسلمين الشيعةَ أو أبادهم؛ وأنّه أحرق "المكتبةَ الفاطميّةَ" في القاهرة؛ وأنّه مارس العزل الجنسيّ ضدّ الفاطميين لإبادة نسلهم؛ فضلًا عن "جرائم" أخرى.

 

1. "المؤامرة" ضدّ الفاطميين


يتّهم البعضُ صلاحَ الدين بتنفيذ مؤامرة انقلابيّة بأمرٍ من الخليفة العبّاسيّ المستضيء بأمر الله (حكم بين 1170م و1180م، 566هـ إلى 577هـ)، "ضدّ سيّده الخليفة الفاطميّ العاضد لدين الله، بحجّة تقديم دعم عسكريّ للفاطميّين والدولة الفاطميّة التي كانت ضعيفةً وفي أواخر أيّامها. ونفّذ صلاح الدين انقلابًا ضدّ العاضد، وأمرَ بالحَجْر عليه، ومنع إقامة الخطبة له، بل جعلها للخليفة العبّاسيّ سنة 559 هـ" (لقاء تلفزيونيّ مع د. جاسب الموسوي).


إنّنا هنا أمام قصّةٍ تآمريّة، متكاملة العناصر، يقدّمها إلينا الموسوي: بدءًا من مراسلاتٍ سرّيّةٍ بين الخليفة العبّاسيّ في بغداد والحكّام المتغلّبين في الأقاليم، وخصوصًا في إقليمَي الشام ومصر. وقد شاركَ في هذه المؤامرة المزعومة، إضافةً إلى الخليفة العباسيّ، كلٌّ من: نور الدين محمود زنكي، وأسد الدين شيركو، وابن أخيه صلاح الدين الأيّوبيّ. وينتهي سيناريو المؤامرة بانقلاب صلاح الدين وخلع الخليفة الفاطميّ.


فهل كانَ الأمرُ كما رتَّبه المتحدّث؟ لنعدْ إلى التاريخ

 
كان الشرق العربيّ الإسلاميّ فسيفساءَ معقّدةً من الدويلات والإمارات الإسلاميّة والإفرنجيّة الصليبيّة والدول الشائخة (العبّاسيّة والفاطميّة). وحين وُلد صلاح الدين في تكريت، تُوفّي جدُّه، فهاجر أبوه وعمُّه لخدمة الأمير الزنكي نور الدين في دمشق بعد وفاة والده عماد الدين.


أغلبُ المؤرّخين، وبخاصّةٍ المذهبيّون الطائفيّون، يبدأون قصّة علاقة صلاح الدين بمصر الفاطميّة من الحملة المصريّة الثانية، التي قادها عمُّه شيركو سنة 562هـ لمساندة الخلافة الفاطميّة ضدّ الصليبيّين. وهذا غير صحيح؛ فأوّلُ حملةٍ شارك فيها صلاح الدين ودخل مصرَ كانت قبل ذلك بثلاث سنوات. والسبب الأرجح لهذه "القفزة" فوق التاريخ الأسبق هو تسويغُ "نظريّة المؤامرة العبّاسيّة الأيوبيّة" لإسقاط الخلافة الفاطميّة عبر انقلاب صلاح الدين، وذلك بجعل الفترة بين دخوله مصرَ وإنهائه الخلافةَ الفاطميّة قصيرةً.


خاض صلاح الدين، في قدومه الأوّل إلى مصر، معركة بلبيس أو البابين، ضدّ  قوّات ضرغام اللخميّ، وزيرِ الفاطميّين المتمرّد عليهم، وانتصر عليه، وأنقذَ الخليفةَ الفاطميَّ العاضد من سطوته، ودخل القاهرة. لكنّ العاضد استوزر زعيمًا قبليًّا عربيًّا اسمُه شاور، وليس أحدًا من منقذيه الزنكيّين الأيوبيّين.


أمّا الدخول الثاني لصلاح الدين إلى مصر فكان سنة 562 هـ، وذلك بعد أن شنَّ الصليبيّون حملتَهم الكبيرة على مصر. حينها، خان شاور سيّدَه العاضد، وتعاونَ مع الغزاة الصليبيين، فواجه شيركو وصلاح الدين جيشًا كثيفًا من هؤلاء الفرنجة ومن قوّاتِ شاور قرب الجيزة، وانتصرا عليه، ثم حرّرا الاسكندريّة من شاور. انسحب شاور من الإسكندريّة، وترك فيها صلاح الدين، ثمّ استنجد بالصليبيّين، فأنجدوه بجيشٍ ضخم حاصر الإسكندريّةَ ثلاثةَ أشهر، حتّى نفدت الميرة، وحدثتْ مجاعة. فتقدّم جيشُ شيركو لفكِّ الحصار عنها وعن قوّات صلاح الدين، ولكنّ قوّاته كانت قليلة مقارنةً بقوّات شاور والصليبيّين، فاضطرّ إلى التفاوض مع شاور على سحب قوّاته منها مقابل إتاوة، وبشرط عدم تسليم المدينة إلى الصليبيّين.
حين انسحب شيركو بقوّاته إلى الشام، خلا الجوُّ لشاور، فسلّم مصر كلّها إلى الصليبيّين، مقابل أن يعيّنوه حاكمًا عامًّا عليها. إلى أن حلّت سنة 564.

 

وعن أحداث هذه السنة، نقرأ في البداية والنهاية لابن كثير أنّ الإفرنج طغت في الديار المصريّة، وذلك أنّهم جعلوا شاور "شحنةً لهم" (أيْ حاكمًا عامًّا)، وتحكّموا في أموالها ومساكنها. وجاء إليها أصحابُهم من كلِّ فجٍّ وناصية، صحبةَ ملك عسقلان الإفرنجيّ، وأخذوا بلبيس، وقتلوا من أهلها خلقًا، وأسروا آخرين. ثم نزلوا إلى القاهرة، فأمرَ الوزير شاور الناسَ بأن يحرقوها، ونُهبت البلد، و"بقيت النار مشتعلة فيه أربعة وخمسين يومًا." عند ذلك أرسل الخليفة الفاطميّ العاضد يستغيث بنور الدين زنكي، وبعث إليه بشعور نسائه يقول: "أدرِكْني واستنقِذْ نسائي من أيدي الإفرنج، وألتزمُ لك بثلث خراج مصر، على أن يكون شيركو مقيمًا بها عندهم، وألتزمُ له بإقطاعاتٍ زائدةٍ على الثلث".


وافق نور الدين زنكي على طلب العاضد، وأمر بتجهيز الجيوش لطرد الفرنجة من مصر. استشعرَ شاور وصولَ المسلمين، فأرسل إلى أحد ملوك الصليبيّين في الساحل الشاميّ يقولُ له: "قد عرفتَ محبّتي لكم، ولكنّ العاضد والمسلمين لا يوافقونني على تسليم البلد، فصالحْهم ليَرجعوا عن البلد بألف ألف (أي مليون) دينار." فانشمر الصليبيّون خوفًا من عساكر نور الدين.


بدأ شاور يبتزّ المصريّين ليجمعَ منهم أموالَ صفقته مع الصليبيّين. ضاقت الحالُ على الناس، فاستدعى نور الدين جيشَ شيركو من حمص إلى حلب، وبدأ تجميعَ جيوش قويّة وكبيرة لحسم موضوع مصر.
وصلتْ جيوشُ الشام إلى مصر، وكان الصليبيّون قد انسحبوا منها بعد صفقتهم مع شاور، فدخلت القوّاتُ مصرَ من دون مقاومة، واستقبل الخليفة العاضد شيركو، وخلع عليه ألبسةً رسميّة، وبدأ الاثنان بالتخطيط للقضاء على الخائن شاور.


نفذّ الخطّةَ صلاح الدين، فقتل شاور، وخرجتْ جماهيرُ القاهرة فنهبتْ دارَه بعد مقتله. وقد استوزر العاضدُ أسدَ الدين شيركو، ولكنّ هذا الأخير توفّي بعد شهرين. فاستوزر العاضدُ ابنَ أخيه يوسف صلاح الدين، بموافقة نور الدين الزنكي.


أبقى صلاح الدين على الخلافة الفاطميّة، وعلى الخطبة والدعاء للخليفة الفاطميّ العاضد، واكتفى بإزالة معالم التشيّع الإسماعيليّ عنها. وكانت مصر قد بلغتْ درجةً من الضعف الشديد، والناس يعانون المجاعة الفعليّةَ، وكان العاضدُ مريضًا جدًّا. وربّما سهّلت هذه الظروفُ عمليّة إنهاء الخلافة الفاطميّة، أو أنّها لم تُثِرْ ردَّ فعل شعبيًّا قويًّا عليها في القاهرة وحولها.


غير أنّ جفوةً حدثتْ بين صلاح الدين ونور الدين بعد استلام الأوّل الحكمَ في مصر. وقد بدأتْ عندما تأخّر الأوّلُ في الخطبة للخليفة العبّاسيّ في بغداد، وستّتسع ــــ ومعها الفجوةُ السياسيّة والنفسيّة ـــــ لاحقًا حتى أوشكا على الصدام المسلّح. هنا اضطرّ صلاح الدين إلى اتّخاذ قراره بوقف الخطبة للخليفة الفاطميّ المريض، وانتهت الخلافة الفاطميّة سنة 567 هـ/1171 م.


بعيْد ذلك توفّي العاضد وهو ما يزال شابًّا، فندمَ صلاح الدين لأنّه ألغى الخلافة الفاطميّة في حياة العاضد. وانتظر انصرامَ أسبوع الحداد ثمّ أصدر أمرَه بإقامة الخطبة لبني العبّاس بشكلٍ دائم، "وأفرد لأسرة العاضد قصرًا يعيشون فيه بدلَ قصر الخلافة، وخصّص لهم أموالًا تكفيهم وتعوّضهم عمّا فقدوه من امتيازات بزوال دولتهم".


ويوضح المؤرِّخ أبو شامة المقدسيّ الأمرَ بالقول: "فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم عن الإجابة إلى ذلك، لميلهم إلى العلويّين [يقصد الفاطميّين]." فصلاح الدين كان حريصًا على توحيد الكلمة "بترفّق،" ومن دون قفز على الوقائع المتراكمة على مرّ الزمان. ونقعُ هنا على إشارة ثانية قويّة تفنّد مقولة إنّ الدولةَ الفاطميّة ظلّت معزولةً عن المجتمع المصريّ، وتؤكّد أنّ المصريّين كانوا يميلون إلى الفاطميّين بعبارة المقدسي، وهو مسلمٌ سنّيٌّ شافعيّ المذهب.



2. المذهبيّة بعد حطّين

 
ضمن حملة الهجاء الطائفيّ والمذهبيّ للقائد صلاح الدين الأيّوبي، اتّهمه المتحدّث نفسه (د. جاسب الموسوي) بأنّه، بعد أخذِه بيتَ المقدس في معركة حطّين، منح الصليبيّين يافا وحيفا وقيساريّة وأراضي الساحل الفلسطينيّ واللبنانيّ، بحيث لم يتبقَّ للعرب المسلمين سوى عشْر أراضي فلسطين؛ وأنّه أفرغ الخزينةَ لفقراء اليهود والمسيحيّين؛ وأنّه حَرم "الرافضة الشيعة" أيَّ عطاءٍ "بل شرّدهم في أصقاع الأرض".  كما اتّهمه بأنّه "تأخّر في تحرير بيت المقدس، فأرسل له نور الدين جيشًا جرّارًا قاده بنفسه لقتال صلاح الدين أو لجلبه إلى الطاعة. فأخذ صلاح الدين يفاوض الصليبيّين، ومنحهم بيتَ المقدس مرّةً أخرى بثمنٍ أبخس. وقيل إنّ أولادَه بعده قاموا ببيع بيت المقدس بشكلٍ نهائيٍّ بـ 11 ألف صرّة ذهب، في كلّ صرّة 100 قطعة."


يستشهد الموسوي بكتاب الكامل لابن الأثير، الجزء 11. لكنْ، لدى مراجعة هذا الجزء من نسختي (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 4، 2003)، وجدتُه مخصَّصًا للفهارس؛ فربّما قصد جزءًا آخر. وفي كلّ الأحوال فإنّ هذا الكلام لا سند له. فالقول إنّ صلاح الدين "منع العطاءَ عن الشيعة وشرّدهم" يوحي أنّ هؤلاء كانوا يقيمون في فلسطين في عصر صلاح الدين. لكنّ الحقيقة هي أنّ الصليبيّين قضوْا على الشيعة في فلسطين، وصولًا إلى طبريّا شمالًا وعمّان شرقًا، بحسب محمد المقدسي، المتوفّى قبل وفاة صلاح الدين بأكثر من قرنين، في كتابة أحسن التقاسيم، وبحسب ناصر خسرو، المتوفّى قبل صلاح الدين بقرن، في كتابه سفر نامه.


أمّا الفاطميّون "الشيعة الإسماعيليّون" في مصر فقد تعرّض الكثيرون منهم فعلًا للقمع على خلفيّة الثورات والانتفاضات الفاطميّة الثلاث المسلّحة التي حدثتْ ضدّ حكم الأيّوبي. وهذا ما سنتوقّف عنده في الجزء الأخير من هذه الدراسة، وسنسجّل إدانتَنا القويّة لهذا القمع، وسنعتبر استهدافَ المدنيين عملًا إباديًّا كانت تقوم به جميعُ الدول آنذاك من دون استثناء. وهذا واقعٌ تاريخيٌّ لا يمكن نكرانُه أو تبريرُه، بل يمكن تفسيرُه بعيدًا عن الأحكام القيميّة الإسقاطيّة. إذ ليس من العلميّ أن نُسقطَ مفاهيم عصرنا على أحداثٍ وقعتْ قبل ألف عام؛ كأن ندينَ الخليفتين عمر وعليًّا ونصفهما بالدكتاتوريّين لأنّهما لم يسمحا آنذاك بانتخاب برلمانٍ أو بتشكيل نقاباتٍ وأحزاب!


أمّا تهمة "منح صلاح الدين العطاءَ للمسيحيّين واليهود بعد معركة حطّين،" فإنّ الحقائق التاريخية تقول عكسَ ذلك تمامًا. فهو أخذ الفديةَ عن فقرائهم أنفسهم بعد تحرير القدس. وعلى هذا، عاتب هادي العلوي صلاحَ الدين وانتقده، فكتب:

 

"ووزّع صلاح الدين جميعَ ما تحصّل عليه منهم [أي الصليبيّين] من فديةٍ مقدارُها عشرةُ دنانير عن كلِّ رجل، وخمسةُ دنانير عن كلِّ امرأة، وديناران عن كلِّ صغيرٍ وصغيرة، ووزّعه على مقاتليه، ولم يأخذْ منه شيئًا لنفسه. ولكنّه ارتكبَ في تنفيذ الشروط حيفًا أصاب الفقراءَ من الأوروبيّين؛ ذلك أنّ عددًا كبيرًا من الرجال والنساء والأطفال لم يتمكّن من دفع الفدية عنهم، فدخلوا في عداد الأسرى، وكانوا قرابة ستّة عشر ألفًا. ومع أنّ فقيرَ الإفرنج هنا هو بدوره غاصبٌ ومحتلٌّ، فإنّ شمولَه بالعفو كانَ أقربَ إلى روح التسامح التي عُرف بها".


وبخصوص اتّهام صلاح الدين بالتنازل عن فلسطين أو عن معظمها للصليبيّين، فهو اتّهامٌ لاعقلانيٌّ تمامًا. ولكنْ لا بأس من مناقشته لفهم طريقة "فبركته" عبر خلط الروايات والمصادر التاريخيّة بعضها ببعض وتهشيمِ السياق التاريخيّ للأحداث من قِبل أصحاب الخطاب المذهبيّ المعاصر. ويبدو أنّ د. جاسب الموسوي، الذي وجّه هذا الاتّهامَ في التسجيل التلفزيونيّ المذكور، قد قرأ ما ورد في كتاب المؤرّخ اللبنانيّ حسن الأمين في كتابه صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميّين والصليبيّين. فلنقرأً ما كتبه الأمين ولنقارنْه لاحقًا بالوقائع:


"إنّ صلاح الدين لم يكد يطمئنّ إلى النصر الرائع في تلك المعركة، حطّين، حتّى أسرعَ إلى القيام بعملٍ لا يكاد الإنسانُ يصدّقه لولا أنّه يقرأ بعينيه تفاصيله الواضحة في ما سجّله مؤرّخو تلك الحقبة؛ المؤرّخون الذين خدّرتْ عقولَهم روائعُ استرداد القدس، فذهلوا عمّا بعده... وظلّ تخديرُ العقول متواصلًا من جيلٍ إلى جيل، تتعامى حتّى عمّا هـو كالشمس الطالعة. حصل بعد حطّين أنّ صلاح الدين الأيّوبي آثر الراحةَ بعد العناء، والتسليمَ بعد التمرّد، فأسرع يطلب إلى الإفرنج إنهاءَ حالة الحرب وإحلالَ السلام عبر التنازل للصليبيّين عن الكثير من المدن التي كان صلاح الدين قد استردّها منهم بالحرب: حيفا، يافا، قيساريّة، نصف اللدّ، نصف الرملة، عكّا، صور، وسوى ذلك. حتّى صارت لهم فلسطينُ إلّا القليل. إضافةً إلى ما وراء ذلك من اعترافٍ بوجودهم، وإقرارٍ لاحتلالهم...وإعطائهم الفرصة الذهبيّة للراحة والاستعداد التامّ للانقضاض على القدس من جديد، الأمرُ الذي حصل فعلًا بعد موت صلاح الدين".


نلاحظ أنّ الكلامَ هنا يتعلّق تحديدًا بـ"صلح الرملة" بعد انتصار حطّين، ولكنّ الموسوي، مقتبسًا عن الأمين، يقفز إلى "تنازل" صلاح الدين عن الشريط الساحليّ الذي أطلقَ عليه صاحبُ الاتّهام صفةَ "معظم فلسطين،" وصولًا إلى استرداد الصليبيّين للقدس. فهل حدثت الأمورُ بهذه الطريقة، وبهذه السرعة التي قدّرها د. جاسب الموسويّ بسبعة أشهر بعد حطّين؟ لنُلقِ نظرةً على الأرقام والتواريخ:
تحقّق انتصارُ حطّين يوم السبت 25 ربيع الآخر سنة 583 هـ، الموافق فيه 5 يوليو سنة 1187م. أمّا تحريرُ القدس ودخولُ صلاح الدين المدينة، فقد تمّ في يوم 27 رجب سنة 583 هـ، الموافق فيه 2 أكتوبر سنة 1187م. في حين تمّ التوقيع والقسم على صلح الرملة بعد خمسة أعوام، وتحديدًا في شهر حزيران سنة 588 هـ / 1192 م.


إذن، حصل التوقيع على صلح الرملة بعد خمسة أعوام من معركة حطّين. وهو عمليًّا ليس صلحًا أو اتّفاقيّةَ سلام، بل هدنة لمدّة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر بين صلاح الدين المنتصر في حطّين وعددٍ من الإمارات والممالك الصليبيّة على الساحل الشاميّ، وأكبرُها مملكة ريتشارد قلب الأسد في الساحل الفلسطينيّ، التي لم يستطع صلاح الدين فتحَها بعيْد تحرير بيت المقْدس. لقد كان على صلاح الدين أن يستعيد قواه ويريح جيشَه بعد حطّين، ليستعدَّ لمواجهة حملة صليبيّة جديدة.


قبل عرض بنود صلح الرملة سنعرض الأحداثَ التي تلت تحريرَ القدس كما يرويها هادي العلوي عن مصادره التاريخيّة:


"بعد الفراغ من القدس وتحريرها، زحف صلاح الدين إلى صور، وكان الإفرنج قد حصّنوها ونشروا فيها قوّةً ضخمةً. وحاصرها مدّةً، ثمَّ انسحب منها بعد أن رأى تذمّرَ جيشه من طول الحصار مع اشتداد البرد. وعاد إلى دمشق، فوجد وكيل الخزانة فيها قد بنى له قصرًا فخمًا لاستراحته، فغضبَ عليه وعزله وقال له: "إنّا لم نُخلقْ للمقام بدمشق ولا غيرها..." وبعد استراحة قصيرة في دمشق، خرج صلاح الدين على رأس جيش إلى السواحل الشماليّة، فاستعاد اللاذقيّةَ وجَبْلة مع قلاع وحصون كثيرة في تلك الجهات. لكنّه عجز عن فتح أنطاكيا، فاضطرَّ إلى قبول عرضٍ بالهدنة من حاكمها الإفرنجيّ لقاء الإفراج عن الأسرى المسلمين فيها. وعاد إلى دمشق، فأقام فيها بضعة أيام [لا بضعة أشهر! ع. ل.] ليَخرجَ بعد ذلك إلى صفد، التي تمكّن من فتحها بعد حصار شديد. ثم أعاد الكرّةَ في صور، فاستسلمتْ هذه المرة دون قتال، بعد أن رأى محتلّوها الإفرنج ما جرى في حصار صفد وفتحها. وبهذه العمليّات أنهى صلاح الدين الوجودَ الأوروبيّ في بلاد الشام، عدا أنطاكيا وطرطوس اللتين بقيتا في أيديهم ولكنْ تحت نفوذ صلاح الدين، وكان يخطّط لاسترجاعهما حين مرض مرضته الأخيرة التي توفّي بها سنة 589 هـ."


ويكمل هادي العلوي:


"على أنّ إنهاء الوجود الأوروبيّ لم يُنهِ الحروبَ الصليبيّة؛ فقد استمرّت الموجاتُ مع تساقط المعاقل الأخيرة، واستطاع الأوروبيّون إعادةَ احتلال عكّا في حياة صلاح الدين بعد معارك مريرة دامت سبعةً وثلاثين شهرًا تكبّد فيها الأوروبيّون ما بين خمسين ألفًا إلى مئة ألف قتيلٍ دون أن ينالَ ذلك من قوّتهم التي كانت تتضاعف بالإمداد المتواصل من البحر. وعاد صلاح الدين ليريحَ جيوشَه، ويتهيّأ لإعادة الكرّة، لكنّه مات قبل أن يتمّ له ما عزم عليه. وحقيقةُ الحال هنا أنّ صلاح الدين لم يكن بمقدوره إنهاءُ الحروب الصليبيّة التي انتظمتْ في موجات متلاحقة، ولم تؤثّر فيها الخسائرُ البشريّة الهائلة التي ألحقها بهم صلاح الدين. ويرجع ذلك لأنّها كانت قرارًا جماعيًّا أوروبيًّا للاستيلاء على المنطقة ضمن سياق الصراع الطويل بين طرفي العالم الأوراسيّ [الأوروبيّ الآسيويّ ــــ ع. ل.] وتمّ إيقافُها لاحقًا على يد الظاهر بيبرس وخليفتيْه قلاوون وخليل بعمليّات مماثلة في الحجم لعمليّات صلاح الدين، ولكنّها لم تنتهِ وإنّما انتهى الاحتلال... واستمرّت الحرب في القرون اللاحقة على شكل غزوات قرصنيّة كانت تقوم بكبساٍت في سواحل شمال أفريقيا ومصر والشام".


الفرق واضح وجليٌّ بين القراءتين السابقتين. فقراءةُ المؤرخ الأمين، ومَن معه، تقتنص نماذجَ منتقاةً من الأحداث، ثم ترصفها بشكلٍ مقصود ومزوَّرِ التواريخ لتسويق الاتّهام المسبّق لصلاح الدين. أمّا هادي العلويّ فيقرأ الأحداث ضمن سياقها الموثّق والخاصّ بحربٍ طويلة، تتخلّلها فتراتٌ من التراجع والتقدّم والتحضير والإنهاك والتفاوض والقتال، لتطرحَ من ثمّ خلاصاتِها واستنتاجاتها.


 لنلقِ نظرةً الآن على بنود صلح الرملة كما وردت في مصادرها الأهمّ، وعنها نقلتْ موسوعةُ المعرفة، ولكنْ قبل ذلك فلنقرأ عن ظروف هذه الاتّفاقيّة:


"كان لوقع الانتصارات التي حقّقها صلاح الدين الأيّوبيّ على الصليبيّين في بلاد الشام أثرُها العظيم في الغرب الأوروبيّ، لا سيّما سقوط بيت المقدس في أيدي المسلمين سنة 583 هـ/1187م بعد موقعة حطّين، وانكماشِ الممالك الصليبيّة في بلاد الشام، ممّا جعل صوتَ البابويّة يرتفع مجدّدًا مناديًا ملوكَ أوروبّا وأمراءَها للقيام بحملة صليبيّة جديدة تستردُّ بيتَ المقدس وتثأرُ للصليبيّين. وقد آتت هذه الدعوة ثمارَها، حيث استجاب لها ثلاثةٌ من كبار ملوك أوروبّا، وهم ريتشارد قلب الأسد ملكُ إنجلترا، وفيليب الثاني ملكُ فرنسا، وفردريك بربروسا إمبراطورُ ألمانيا. وقد وصل كلٌّ من فيليب أغسطس وريشارد قلب الأسد إلى عكّا وبدأ حصارَ المسلمين. إلّا أنّه لم يكد يمضي الوقت حتى دبّت الخلافاتُ بين قائدَي الحملة الصليبيّة نتيجة خلافات قديمة تجّددتْ في أرض المعركة، نتج عنها انسحابُ فيليب أغسطس ملك فرنسا والعودة إلى بلاده."


بقي ريتشارد وحيدًا في بلاد الشام. ودارت بينه وبين صلاح الدين عدّةُ معارك، أهمُّها معركة أرسوف سنة 587 هـ/1191م التي أوشك فيها صلاح الدين أن يقضي على الصليبيّين لولا إعادة ريتشارد تنظيمَ صفوفه. وهكذا بدأ موقفُ صلاح الدين يزداد قوّةً، على عكس خصمه الذي ازداد قلقًا من أنباء تفيد بعودة عدوّه اللدود فيليب أغسطس إلى الاعتداء على أملاكه في الغرب. وفي ظلّ تلك الظروف بدأ يظهر نوع من المفاوضات بين الطرفين، كان كلٌّ منهما بحاجةٍ إليه لمعالجة مشاكله الداخليّة. وبلغتْ تلك المفاوضات العسيرة مرحلةَ توقيع "صلح الرملة" سنة 588 هـ/1192م. وأهمُّ بنودها:


1 ــــ تكون الهدنة عامّةً في البرّ والبحر، ومدّتها ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.
2 ــــ يتخلّى الصليبيّون لصلاح الدين عن عسقلان وغزّة والداروم (دير البلح)، ويبقى الساحلُ بيدهم من صور إلى يافا، بما فيها قيساريّة وحيفا وأرسوف.
3 ــــ للنصارى الحرّيّة التامّة في زيارة الأماكن المقدّسة في القدس، من دون أن يؤدّوا ضرائبَ للمسلمين، ومن دون أن يحملوا أيَّ سلاح.
4 ــــ تكون السيادة على الأماكن التعبّديّة من صلاحيّة المسلمين.
5 ــــ اشترطَ صلاح الدين دخولَ الإسماعيليّة في الهدنة، واشترط الصليبّيون دخولَ أميريْ أنطاكية وطرابلس الصليبيّين في ذلك.
6 ــــ تكون الرملة واللدّ مناصفةً بين المسلمين والصليبيّين.
فليقارنْ مَن شاء المقارنة هذه البنودَ بما زعمه حسن الأمين ومَن نقل عنه، ومن ثمَّ فليخرجْ بالاستنتاجات الملائمة.


الغريب أنّ المدافعين عن الخلافة الفاطميّة من هُجاة صلاح الدين يعتبرون تلك الخلافة امتدادًا لتشيّعهم، متجاهلين أنّ فقهاءَهم اتّهموا إمامَ الفاطميّين الإسماعيليين إسماعيل بن جعفر الصادق بالعصيان وشرب الخمر، وذلك في أحاديث نسبوها إلى أبيه الإمام جعفر الصادق. فليرجعْ مَن أراد المزيدَ إلى ما كتبه محمد باقر المجلسيّ في موسوعته بحار الأنوار (ج 25/ص 160، وج 47/ص 247). وهم بهذا لا يدافعون عن الفاطميّين ومذهبهم وأسْرتهم وإنجازاتهم الحضاريّة الكبيرة بل عن دولة يعتبرونها شيعيّة وقد أطاح بها "السنّيّ" صلاح الدين!

 

3. إحراق دار العلم في مصر

 
من الاتّهامات التي سيقت مؤخّرًا أيضًا ضدّ صلاح الدين تهمةُ إحراق "المكتبة الفاطميّة" في مصر. والمكتبة المقصودة هي التي أمر بإنشائها الخليفةُ الفاطميّ الحاكمُ بأمر الله سنة 395 هـ/1004م لتكون نظيرًا لـ"بيت الحكمة" في بغداد العباسيّة، وأطلق عليها الاسمَ نفسه تقريبًا: "دار العلم."


كانت دارُ العلم في القاهرة بمثابة جامعة علميّة، تَشْغل قصرًا كبيرًا قرب القصر الغربيّ للخليفة الفاطميّ. وتذكر المصادرُ أنّها حوت 1.600.000 مجلّد، ضمّت 6500 مخطوطة في الرياضيّات و18.000 مخطوطة في الفلسفة. وإذا كانت الخلافةُ الفاطميّةُ قد انتهت رسميًّا سنة 567 هـ/سبتمبر1171م، كما توثّق جميعُ كتب التاريخ، فإنّ هذه المكتبة أصبحتْ بائسةً وصغيرةً قبل قرنٍ من دخول صلاح الدين مصرَ.


فلقد تعرّضتْ سنة 461هـ/1068م إلى النهب والتلف والضياع إثر الخلاف الذي نشب بين الجنود السودانيّين والأتراك في مصر، وأحرق العابثون الكثيرَ من محتوياتها.  ويُذكر أنّ بعضهم جعل من جلودِ كُتبها نعالًا له. ولم يبقَ من هذه الدار، يومَ دخل صلاح الدين القاهرةَ بعد قرن تقريبًا من تلك الكارثة، سوى مئة ألف كتاب. ولم يَسلمْ ما تبقّى منها هو أيضًا؛ فبسبب انتشار القحط والمجاعة في العامين 1348-1349م، راح بعضُهم يعرض مجلّدًا كاملًا للمقايضة مقابل رغيف خبز!


أمّا ابنُ الأثير، المعاصر للأحداث، "فلم يَذكر،" على ما يقتبس السمهوريّ، أنّ صلاح الدين "أحرق مكتبةَ القصر البتّة،" بل ذكر أنّه باع جميعَ ما في القصر. ومثلَه المقريزي يكتب، في اتّعاظ الحنفا، أنّ صلاح الدين "أخرج سائرَ ما في القصر من العبيد والإماء، فباع بعضَهم، وأعتق بعضَهم، ووهب منهم‏،‏ وخلا القصرُ من ساكنيه..." كذلك لم يَذكر الحريقَ المزعومَ القاضي بهاء الدين بن شدّاد (الذي لازم صلاح الدين وكان كاتبَه الخاصّ)، ولا ابنُ أبي طيّ (المؤرِّخُ الشيعيّ المعاصر لصلاح الدين)، ولا ابنُ العماد الحنبليّ، ولا ابنُ واصل الحمويّ (صاحبُ كتاب مفرِّج الكروب). ولو أحرق صلاح الدين دارَ العلم كما زُعِم، لما أغفلها ابنُ الأثير، وهو خصمٌ لصلاح الدين، وكان مواليًا للأتابكيّين وعاملًا عندهم.


ثمّ إنّ حريقَ مكتبةٍ كهذه، "لا يوجد في مدائن الإسلام لها نظير" كما وصفها ابنُ أبي طيّ، حادثٌ لا يمكن أن يمرَّ من دون أن يذكرَه المؤرّخون المعاصرون، ولا سيّما أنّ في حريقها نكايةً بـ "العدوّ المذهبيّ" لأنها تحوي كتبَ "الزندقة والضلال." غير أنّ هذا الحريق، في اعتقادنا، لم يقع. أما يوسف زيدان الذي علّل "حريقَ" المكتبة المزعوم بحجّة سياسيّة، وهي مواجهة الفكر الشيعيّ، فغاب عنه أنّه لو كانت المواجهة قد وقعتْ حقًّا، لما وقعتْ في وجه الشيعيّة الإثني عشريّة ولا الشيعيّة الزيديّة، بل في وجه الفكر الباطنيّ الإسماعيليّ. وكيف يكون ذلك وابنُ أبي طيّ مؤرّخٌ معاصر لصلاح الدين، وكان شيعيًّا؟.

 

4. العزل الجنسيّ

 
اتّهم يوسف زيدان صلاحَ الدين، في فيديو راج على مواقع التواصل الاجتماعيّ، بممارسة العزل الجنسيّ بين الذكور والإناث في الأسرة الفاطميّة لكي ينقرضوا، فلا يظهرَ له مُطالبٌ بالعرش مستقبلًا.


فما حقيقة هذا الاتّهام؟

 
يمكنُ تفنيد هذا الزعم بالعودة إلى ابن كثير في البداية والنهاية، أحداث سنة 738 هـ، أيْ بعد قرنيْن من سيطرة صلاح الدين على الحكم في مصر وإنهائه الحكمَ الفاطميّ. إذْ يخبرنا أنّ السلطان المملوكيّ الناصر بن قلاوون أمر بترحيل عليّ ومحمّد، ابنيْ سليمان بن داود بن سليمان بن الخليفة العاضد، آخرِ الخلفاء الفاطميّين؛ أي إنّنا إزاء أربعة أجيال من نسل آخر الخلفاء الفاطميّين العاضد!


ويقول المؤرّخ رائد السمهوريّ، وهو على حقّ، إنّ العاضد، بحكم كونه آخرَ الخلفاء الفاطميّين، أَوْلى أن يُقطعَ نسلُه، فضلًا عمّن هو دونه. وقد مات العاضد وعمرُه إحدى وعشرون سنة، فكان ينبغي ــــ لو أريد قطعُ نسله فعلًا ــــ أن يَكبر ابنُه سليمان ولا يعقِّب؛ فكيف وُلد أحفادُ العاضد وأبناؤهم وتناسلوا لو كان صلاح الدين عزل رجالَهم عن نسائهم، كما زعم يوسف زيدان؟ أعن طريق أطفال الأنابيب يا ترى؟!


ولكنْ من أين جاء زيدان بهذا الزعم؟

 
نرجّحُ أن يكون قد قرأ ما كتبه محمّد بن عليّ الصنهاجي في كتابه أخبار ملوك بني عبيد وسيرتهم، مع أنّ الصنهاجي نفسَه لم يقل إنّ صلاحَ الدينِ عزل ذكورَهم عن إناثهم، بل كتب في الصفحة الأخيرة من كتابه المضطرب والقليل الصدقيّة: "وتتبّع بني عبيد، فمن عثر عليه سَجن بدار القاهرة بقيّتهم فيها إلى اليوم، وهو سنة 617، فكانوا يتناسلون. ثم مُنعوا النكاحَ لينقطع النسلُ ويذهبَ الفرعُ والأصل". وهذا يعني أنّ الفاطميّين كانوا يتناسلون حتّى العام 617 (وصلاح الدين توفّي سنة 589 هـ). فهل يقصد الصنهاجي أنّهم مُنعوا من النكاح بأمر من سلاطين مصر الأيّوبيّين بعد وفاة صلاح الدين، وهو ما لم يرِدْ في أيّ مصدر تاريخيٍّ آخر؟ أمْ يقصد أنّهم توقّفوا تلقائيًّا عن الإنجاب؟


الأرجح أنّه قصد الأمرَ الأخير، بدليل خبر نفيهم في عهد قلاوون بعد قرنين من عهد صلاح الدين. وعمومًا، فالصنهاجيّ، كما ذكرنا، قليلُ المصداقيّة، وهو يورد الخبرَ ونقيضَه في كتابه أحيانا؛ ومن ذلك إيرادُه لتهمة أنّ صلاح الدين دسّ السمَّ للعاضد، ثم نفاها في الصفحة نفسها. وربّما يكون قد ذكر ذلك من باب إدراج ما يُتداول من شائعات شفاهيّة لا أصل لها في عصره. فقد كانت الأسرة الفاطميّة قليلةَ الذرّيّة أساسًا، حتّى إنّهم اضطرّوا إلى استخلاف عبد الله العاضد، وهو صبيٌّ صغيرٌ لم يتجاوز التاسعة. ولم يكن الذكور كثيرين؛ وفي هذا يقول ابنُ كثير (كما يقتبس السمهوريّ عنه): "والفاطميّون قليلو العدّة... لكنّهم مُدّ لهم في المدّة، فملكوا بضعًا وستّين سنة من بعد مئتين فكانت كالسِّنَة [أي الغفوةِ القصيرة]."

5. جرائم أخرى

 
ثمَّ يعدّد كتّابٌ آخرون ممّا أسمّيه "المدرسة المذهبيّة في قراءة التاريخ" ما يصفونه بـ"جرائم صلاح الدين ضدّ محبّي أهل البيت في مصر." يقول ابن تغري، وهو مؤرّخٌ مصريّ وابن أمير مملوكيّ، إنّ صلاح الدين سيّر جيشًا كثيفًا، وجعلَ مقدّمَه أخاه الملك العادل، فالتقوا زعيمَ الثورة التي استهدفتْ حكمَ صلاح الدين وإعادةَ الدولة الفاطميّة، وكسروه. ويقول إنّه في العام 572 قدم السودانُ من الصعيد إلى مصر في مائة ألف أسود ليعيدوا الدولةَ الفاطميّة، فخرج إليهم أخو صلاح الدين، الملكُ العادل بكر، ومن معه من عساكر مصر، فكانت بينهم وقعةٌ هائلة، وقُتل كبيرُ السودان ومَن معه. وهذه هي الثورة الثالثة التي قام بها الشيعةُ ضدّ صلاح الدين، وكانت في السنة السادسة من حكمه. وفي العام نفسه أيضًا وقعتْ ثورةٌ أخرى في مدينة فُقْط، بصعيد مصر، فأخمدها صلاح الدين، وأرسل إليها أخاه العادل، فقتل من أهلها ثلاثة آلاف. وقد تعرّض صلاح الدين لعدّة محاولات لاغتياله في مصر والشام من قبل عناصر شيعيّة وخصوصًا من فرقة الحسن بن الصباح الفاطميّة النزاريّة التي اشتُهرتْ لدى خصومها باسم "فرقة الحشّاشين".


نحن هنا إزاء تمرّداتٍ وثوراتٍ مسلّحةٍ يقوم بها أنصارُ الخلافة الفاطميّة المنتهية من أجل إعادة العرش السابق، لا أمام عمليّة انتقام أعقبتْ تغييرَ الخطبة وإنهاءَ الخلافة الفاطميّة. ثمّة فرقٌ كبيرٌ بين الأمرين. والواقع أنّ ما يعتبره الكاتبُ المذهبيُّ المعاصر في هذا المقتبس "جرائمَ" ينسبها إلى صلاح الدين، نقلًا عن أخبار تاريخيّة يسجّلها المؤرخُ المملوكيّ ابنُ تغري أو سواه، ليست إلّا أحداثًا كانت تُعتبر "عاديّةً" عصرَ ذاك، رغم أنّها مدانةٌ في هذا العصر. وكانت تتكرّر في تاريخ جميع الدول، شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا. ولن نجد مثالًا واحدًا لثورةٍ مسلّحةٍ عوملتْ برحمة وتسامح وعفو!


ومع ذلك فإنّه تُؤخذ على صلاح الدين ــــ إضافةً إلى استمراره في النسق القمعيّ الدمويّ لدول ذلك العصر ــــ بعضُ الأمور. منها ما سجّله هادي العلوي:


"يُسجَّل على صلاح الدين خطيئتان: إحداهما إعدامُ الشاعر الفاطمي عمارة اليمنيّ بعد أن تورّط في مؤامرة لإعادة الخلافة الفاطميّة وإسقاط صلاح الدين. ومع أنّ جريمة المذكور توضعُ على ملاك الجرائم الكبرى في زمن الحرب، فقد كان على صلاح الدين أن يقفَ متردّدًا أمامَ شاعرٍ كبيرٍ ويكتفي بسجنه... والثانية إعدامُ الفيلسوف شهاب الدين السهرورديّ. وقد جرى ذلك بناءً على مضبطةٍ من رجال دين سُنّة في حلب، تُثْبت عليه الكفرَ وتوصي باستحقاقه القتل. وكان لرجال الدين سطوةٌ في عصر أمراء الحرب الأتراك. كما كان كلٌّ من نور الدين زنكيّ وصلاح الدين يعتمد على رجال الدين للتعبئة ضدّ الإفرنج بحكم الطابع الدينيّ للحروب الصليبيّة..."


إنّ تفهّم إعدام الشاعر عمارة اليمنيّ أو تبريرَه، لتورطّه في عملٍ مسلّحٍ ضدَّ صلاح الدين، قد "يسجّل على ملاك الجرائم الكبرى،" كما قال الراحل العلوي. ولكنّ إعدام الفيلسوف الصوفيّ السهرورديّ لا يمكن تبريرُه أبدًا، ويبقى عملًا مدانًا يُسجّل على صلاح الدين ويرقى إلى مستوى جريمة إعدام الحلّاج على يد الخليفة المقتدر ووزيره حامد بن العباس في بغداد العباسيّة.


أمّا بخصوص قمع صلاح الدين للتمرّدات المسلّحة ضدّه، فليس في ذلك أيُّ جديد. ولكنّها تصبحُ أعمالًا إجراميّة وإباديّة إذا تعدّت هدفَ القضاء على التمرّد المسلّح إلى قتل الناس العاديين واضطهادهم. وهذا ما كان يحدث غالبًا، وهو فعلٌ مدانٌ أيضًا. ويمكنُ الإتيانُ بالعديد من الأمثلة على ذلك، وكلُّها انتهت بشلّالات من الدم والخراب وجيوش من الأسرى والسبايا: ثورة ابن الزبير، وموقعة الطفّ ومقتل الإمام الحسين، وثورة الزنج، وثورة القرامطة، وثورة زيد وأبنائه وأحفاده، وثورات العلويّين في العهد العباسيّ. حتّى الفاطميّون ــــ موضوع البحث ــــ مارسوا القمع الدمويّ ضدّ خصومهم، كما حدث في مجزرة القيروان التي ارتكبها خليفتُهم المؤسّس عبد الله المهدي، إذ قتل تحت التعذيب أربعةَ آلاف من السنّة على المذهب المالكيّ بعد أن رفضوا بيعته.


وأمّا ما يسمّيه المؤلِّفون المذهبيّون المعاصرون مجازرَ ارتكبها صلاح الدين في حقّ الثوّار الفاطميّين الساعين إلى عودة ملكهم وسلطانهم، فتمكن مقابلتُه بالعشرات من الأمثلة المشابهة على جرائم أو عمليّات قمع وإبادة ذاتِ طابع تطهير طائفيّ ودينيّ قامت بها دولٌ أخرى تُحسب على الشيعة أيضًا. ولدينا مثالٌ قويّ على ذلك في عمليّات نشر المذهب الشيعيّ الإثنيْ عشريّ من قِبل الدولة الصفويّة (نسبة إلى أسرة تركيّة إذريّة هي أسرةُ صفيّ الدين الأردبيليّ) ضدّ المسلمين السنّة الفرس، الذين أبيدت منهم بسيوف الصفويّين قطاعاتٌ واسعة من الناس العاديّين في أصفهان وتبريز ومدن إيرانيّة كبرى من أتباع الطائفة السنّيّة.


إنّ الخلاصة التي نخرج بها من هذا العرض هي أنّ عظمة صلاح الدين كقائد للمقاومة ضدّ الغزو الإفرنجيّ الصليبيّ لا تعني إعفاءه أخلاقيًّا وإنسانيًّا من مسؤوليّة إعدام القطب السهرورديّ والشاعر الفاطميّ عمارة اليمنيّ، وقمع المتمرّدين عليه، وخصوصًا قمع الفاطميّين السودانيّين إلى درجة إبادة آلاف الناس كما تقول المصادرُ التراثيّة. إنّما ينبغي أن نضع كلَّ حدثٍ في سياقه التاريخيِّ الحقيقيّ ونقرأه بعينين باحثتين عن الحقائق، من دون أغراض أو أحكام مسبّقة.