صحافة دولية

فايننشال تايمز: هذا ما كان يجري مع المعتقلين في الريتز

فايننشال تايمز: لا يزال هناك 56 من المعتقلين الذين رفضوا التسويات- أ ف ب

كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" في تقرير أعده مراسلها في دبي سايمون كير، نقلا عن مقربين من سجناء "السجن الذهبي" ريتز كارلتون، الطريقة التي تعاملوا فيها مع وضعهم بصفتهم سجناء، بعد أن كانوا جزءا من النخبة الحاكمة والتجارية، أمراء ورجال أعمال ومسؤولين في الحكومة.

 

ويكشف التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، عن أنه تمت إزالة المواد الحادة كلها في الحمامات وفي مطافئ السجائر الزجاجية من أجنحة ريتز كارلتون؛ لمنع أي محاولة انتحار يقوم بها رجال النخبة المساجين في سجن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حملته لمكافحة الفساد. 

 

ويشير كير إلى أن معظم الذين شملتهم الحملة قضوا وقتهم في أماكنهم يتابعون التلفاز بين فترات التحقيق معهم، لافتا إلى أن ضباطا من الاستخبارات حرسوا غرفهم، حيث نزعوا عنهم أي شكل من الخصوصية، من خلال الإبقاء على الأبواب مفتوحة. 

 

وتفيد الصحيفة بأنه تم منع المساجين من الاتصال مع بقية السجناء، مع السماح لهم بالاتصال بشكل دوري مع أقاربهم، مشيرة إلى أن أثر التجربة على المساجين تتراوح بين سجين وآخر، فبعضهم "خرج منهارا"، ولم يتحدث إلا القليل منذ خروجه من السجن، فيما مزح آخرون مع المهنئين، حيث أشاروا إلى نقص وزنهم شاكرين "ريتز ديتوكس"، أي التخلص من السموم والشحوم. 

 

وينقل التقرير عن صديق أحد المعتقلين، قوله: "إذا كنت محترما فإنهم كانوا جيدين معك، لكن رجال المخابرات أعطوا انطباعا بأنهم مستعدون للضرب لو تشاكست معهم".

 

ويذكر الكاتب أن التفاصيل بدأت تظهر منذ خروج المعتقلين من السجن حول ما جرى في السجن والإجراءات غير العادية التي اتخذتها السلطات، في عملية خطط لها بشكل جيد، كانت الحكومة تأمل بالحصول منها على 100 مليار دولار، لافتا إلى أنه بعد ثلاثة أشهر افتتح الفندق الأسبوع الماضي، إلا أن تداعيات الاعتقال وحملة التطهير، التي أخافت المستثمرين، والتي شملت عددا من أهم رجال الأعمال في المملكة، لا تزال واضحة.

 

وتقول الصحيفة إنها تحدثت مع عدد كبير من أصدقاء ومقربي الذين اعتقلوا في حملة التطهير، التي جرت يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، وبدأت عندما حطت طائرة ملياردير عجوز في مطار جدة، وكان من المفترض أن ينتظره وفد ليأخذه لمقابلة ولي العهد محمد بن سلمان، إلا أنه وجد بدلا من ذلك قوة عسكرية أخذته إلى الريتز.

 

ويلفت التقرير إلى أن الكثير من المعتقلين استطاعوا الاتصال مع أصدقاء ومقربين، إلا أن آخرين غابوا في منتصف الليل، ولم يكن أقاربهم قادرين التأكد من مكان وجودهم ولعدة أيام، حيث يقول قريب أحد المعتقلين الذين حاولوا الحصول على معلومات عنه؛ من أجل توصيل دواء له، لأنه كان يعاني من مرض القلب: "كان الوضع رهيبا، ولم يكن هناك أحد يمكن الحديث معه" .

 

ويقول كير إن واحدا من الذين اعتقلوا في مطار الدمام أخبر أصدقاءه بعد عودته للمملكة بأنه وصل للفندق في عملية خطط لها بدقة، حيث قام الأطباء بفحصه قبل إدخاله للجناح المخصص له، وبعدها سمح لرجل الأعمال بالاتصال مع عائلته وفي غضون ساعات من اعتقاله، مشيرا إلى أنه تم اعتقال حوالي 20 رجل أعمال سعوديين يقيمون في الإمارات، وجرى ترحيلهم إلى السعودية على طائرة خاصة. 

 

وتورد الصحيفة نقلا عن مسؤولين سعوديين، قولهم إن المداهمات الليلية كانت ضرورية لمنع هروب الشخصيات، مشيرين إلى أن متابعات قانونية في اعتقالهم ستكون طويلة، وقالوا إن الفندق، المكون من 492 غرفة، كان مكانا آمنا لإجراء التحقيقات بهدوء وسرعة. 

 

وبحسب التقرير، فإن القوانين منعت الكشف عن هوية المعتقلين قبل المحاكمة، "إلا أن الأسماء خرجت (عبر وسائل التواصل الاجتماعي) لإظهار جدية حملة مكافحة الفساد" لابن سلمان، مشيرا إلى أنه تم نفي أي تقرير عن تعذيب جسدي من الذين تحدثت معهم صحيفة "فايننشال تايمز". 

 

ويبين الكاتب أنه "عادة ما كان يبدأ المحققون تحقيقاتهم بطريقة ودية في الصباح، إلا أنهم في المساء كانوا ميالين للجدل، وكانوا في بعض الأحيان يوقظون المعتقلين في منتصف الليل ويصدرون الأوامر لهم، وقد يطلب من المعتقل تحضير حقائبه للخروج ليتم تجاهله لمدة أسابيع دون زيارات".

 

وتنوه الصحيفة إلى أنه بعد اعتقال المشتبه بهم تم تقديم قائمة بأسماء المعتقلين لمديري المصارف، طلبوا فيها تجميد حساباتهم وحسابات أقاربهم, حيث قال مصرفي إن هذا أدى إلى ضغط، وقيل لعائلة معتقل إنها لا تستطيع سحب أكثر من 100 ألف ريال (26.660 دولارا) في الأسبوع للأمور المعيشية. 

 

ويكشف التقرير عن أنه طلب من المسؤولين الماليين في بعض الأحيان البقاء في مكاتبهم بانتظار مسؤولين يريدون النظر في الحسابات والدفاتر، وكان المديرون الماليون ينتظرون في بعض الأحيان حتى ساعات متأخرة من الليل، ليخبروا لاحقا أن الزيارة قد ألغيت. 

 

ويفيد الكاتب بأنه سمح لشركات، مثل مجموعة ابن لادن والمملكة القابضة للأمير الوليد و"أم بي سي"، بالعمل كالمعتاد، رغم أن مستقبلها لم يكن واضحا، مشيرا إلى أنه بحلول كانون الأول/ ديسمبر، بدأت الحكومة بالتفاوض حول تسويات، والتخلي عن أرصدة وأموال مقابل الحرية. 

 

وتقول الصحيفة إن مذكرات سرية وصلت إلى مديري البنوك، تطلب منهم تحويل أموال لوزارة المالية، لافتة إلى أن المصارف السويسرية قالت أنها تلقت طلبات من وفود سعودية للحصول على معلومات عن أموال للمتهمين، ليتم رفض الطلب، وتذكيرهم أن أي طلب يجب أن يمر عبر قضاة سويسريين. 

 

ويشير التقرير إلى أنه تم التكتم على التسويات، إلا أن بعض المقربين يقول إنها شملت أرصدة وعقارات وأموالا نقدية، مبينا أنه بالنسبة لـ"أم بي سي" فإنه قيل إن مديرها الوليد الإبراهيم سيحتفظ بنسبة 40% من أسهم الشركة، والبقية ستسيطر عليها الحكومة.

 

ويقول كير إن التسويات مع الشركات الأخرى لا تزال مستمرة، مشيرا إلى أن معظم الذين تم الإفراج عنهم منعوا من السفر، ولا يزال هناك 56 من المعتقلين الذين رفضوا التسويات وسيحولون إلى النائب العام. 

 

وتختم "فايننشال تايمز" تقريرها بالقول إنه "بعد هذا كله، فإن تحدي الحكومة هو إعادة الثقة للمستثمرين باستقرار المناخ الاقتصادي السعودي".