كتاب عربي 21

من يتجرَّع كأس السم؟

عبد الرحمن يوسف
1300x600
1300x600
الحق أقول لكم.. إن كؤوس السم أمامنا جميعا.. وخصمنا المجرم هو أجرأنا في تجرع كأسه..!
لقد تجرع خصمنا كأس السم عدة مرات منذ اندلاع ثورتنا المجيدة في يناير 2011.

تجرعه في الحادي عشر من فبراير 2011، وخلع رئيسه المقدس، بطل الحرب المقدسة.. قطع ذراعا ليبقي على بقية الجسد.

تجرعوا كأس السم ووضعوا أيديهم في أيدي الإسلاميين (منافسهم الحقيقي على السلطة) لكي يفرقوا الصفوف، ولكي يضمنوا بقاء المجلس العسكري وحده يدير المرحلة الانتقالية.

تجرعوا كأس السم في نوفمبر 2011 في أحداث محمد محمود، وخرج مشيرهم يعد بتسليم السلطة قبل نهاية يونيو 2012، وكانت خطتهم التراجع عن كل الوعود.

تجرعوا كأس السم وخضعوا لنتيجة انتخابات الرئاسة، وظلوا يتجرعون كؤوس السم يوما بعد يوم، يؤدون التحية العسكرية، لمدني، ملتح، ينتمي لفصيل يكرهونه كرها لا مثيل له.

تجرعوا كأس السم ووضعوا أيديهم في أيدي ثوار يناير (عدوهم اللدود)، لكي ينفذوا انقلابهم على الديمقراطية في الثالث من يوليو، وقبلوا بتلميع عشرات من شباب الثورة من سائر التيارات، وفتح المنابر كلها لهم بلا أي تحفظ.

لقد وضعوا محمد البرادعي (وهم يكرهونه أكثر من كرههم للديمقراطية نفسها) في موقع نائب الرئيس.. ليس حبا فيه، بل لكي يمر الانقلاب، ويسوقوا جريمتهم أمام المجتمع الدولي، إنه كأس سم تجرعوه كاملا.. في سبيل إنجاح مخططهم الشيطاني.

خصمنا اليوم.. يجلس على الطاولة وأمامه كأس سم آخر، ربما يضطر في يوم قريب إلى تجرعه، ولكنه كأس مختلف، قد تكون جرعة السم هذه المرة قاتلة!

الإسلاميون.. أمامهم كأس سم.. يتعلق بموقفهم من عودة مرسي، ويتعلق بالإفصاح عن رؤيتهم لما بعد "سيسي"!

كثير من التيارات الثورية تخاف من رغبات السيطرة والاستحواذ التي عودهم عليها الإخوان، ويعترضون أيضا على مسألة اختصار شعار عميق مثل "الشرعية"، في معنى هو إلى السطح أقرب مثل عودة مرسي، أو عودة دستور 2012، فمرسي عليه مسؤولية كبيرة لكل ما حدث، وعليه مسؤولية الركون إلى العسكر، كما أن دستور 2012 دستور عسكري، والفارق بينه وبين الدستور الحالي ليس كبيرا (في رأيهم).

لو تجرع الإخوان أو الإسلاميون كأس السم ذاك، وطمأنوا إخوانهم في التيارات الثورية.. ربما تقصر المسافة بين الوضع الحالي، وبين سقوط دولة الاستبداد العسكري.

كأس السم أمام التيارات الثورية أيضا.. فدعوات الاصطفاف الثوري تعني تراجعات كبيرة عن مسلمات كثيرة آمنوا بها في وقت من الأوقات، كما أنها تعني اعترافا بكثير من الأخطاء وربما الخطايا، (منها خطيئة مهادنة العسكر التي ما زالوا يرفضون مسامحة الإسلاميين عليها).

استجابة التيارات الثورية لدعوات الاصطفاف، والتعامل مع مكونات التيارات الثورية الأخرى وعلى رأسها الإسلاميون، والاعتراف بخطأ المسار، والاعتراف بأن شباب التيار الإسلامي كان لهم الدور الأكبر والأعظم في حماية الثورة خلال العامين المنصرمين.. كل ذلك عند كثيرين كأس سم ينبغي تجرعه!
من يجرع كأس السم أولا سيكون الرابح (مرحليا على الأقل)، ومن يتأخر في تجرع كأس السم قد يتجرع ألف كأس بعد فوات الأوان.

لو تجرع العسكر كأس السم وقطعوا ذراعاً آخر من أجل الإبقاء على الجسد، وحذفوا "سيسي" من المعادلة.. لن نكون إزاء تغير كبير في المشهد، وسوف يحاول العساكر اكتساب شرعية جديدة مضافة، بينما سيبقى حال سائر الأطياف على ما هو عليه، بل أسوأ وأضعف. 

حينها سيجد الإسلاميون أنفسهم أيضا مضطرين لتجرع كأسهم، وسيجد الثوريون أنفسهم في الموقف ذاته، وإذا لم يتجرع كلاهما كأسه حينها لكي تتوحد صفوفهم سويا.. فسوف يتفاوض العسكر مع كل فصيل منفردا، وسوف يحافظون على تفتيت جميع القوى، لكي يعيدوا إنتاج شكل جديد من أشكال الاستبداد أكثر توحشا. 

في الذكرى الثانية لتظاهرات الثلاثين من يونيو، لانقلاب الثالث من يوليو أرى المشهد كالتالي :
النظام أمام فشل محقق خلال عدة شهور.. ومن لا يرى ذلك فهو مخطئ، فحاضنة النظام الشعبية لا تكفي للاستمرار، والدعم الإقليمي السياسي والاقتصادي وصل إلى آخره، وبدأت التصريحات بأنه لا دعم اقتصادي لمصر خلال العام القادم، وبالتالي نحن أمام انهيار اقتصادي قريب لا محالة.

أما الوضع الدولي، فيتلخص في أن إسرائيل هي الداعم الوحيد للنظام الحالي، وهي المسوِّق الوحيد له، وهذا لا يكفي بحال من الأحوال، وسنرى قريبا أننا أمام رئيس لا يستطيع أن يؤدي مهام وظيفته في كثير من الدول؛ بسبب مذكرات قانونية تطارده أينما ذهب كمجرم حرب.

أخشى أمام هذا الوضع أن يسبقنا عدونا في تجرع كأسه، وأن نظل رد فعل على ما يفعل، وأن يتأخر رد فعلنا فتتعقد الأمور أكثر وأكثر.

إن ردود الأفعال في الذكرى الثانية من الانقلاب لا تخرج عن نوعين:

النوع الأول: الشماتة!
وهؤلاء حمقى.. لا طائل من الحوار معهم.. كل الهدف من أفعالهم وأقوالهم (فشة غل)!
فترى أحدهم يشمت في اعتقال بعض شباب الثورة من التيارات المدنية (من أعان ظالما سلطه الله عليه!!!).. وكأن آلاف المعتقلين من التيار الإسلامي لا ينطبق عليهم أنهم قد أعانوا الظالم نفسه، وأنه قد سلط عليهم!

وآخرون يستغلون كل خبر صغير أو كبير (مثل تسريبات ويكيليكس الأخيرة) لإظهار أن التيار الإسلامي مجرد نسخة من النظام العسكري، وأنه لا فارق بينهما، كل ذلك لكي يعفي نفسه من واجب الاصطفاف، ومن معركة مواجهة الاستبداد والفاشية العسكرية التي تحكم مصر.

والنوع الثاني : يقول بأمانة لكل من لديه بقية من ضمير أو مثقال ذرة من عقل (لقد أخطأنا جميعا، وخطأ الكبير كبير، وخطأ الصغير صغير، وباب المراجعة مفتوح، وخير لنا أن نتعظ بما فعله عدونا، وكيف استطاع أن يتعاون مع أناس يبغضهم ويكرههم لكي يصل إلى هدفه.. شركاء الميدان أولى بذلك.. من أجل هدف سامٍ، ودون نية غدر، التسامح مكرمة، ولا ثورة دون تسامح، كما أنه لا ثورة دون قصاص)!
إن مصير هذه الثورة مرهون بقدرة فصائل الثورة من سائر التيارات على أن يتوحدوا مرة أخرى أمام النظام العسكري الغاشم، هذا التوحد في نظر الجميع كأس سم، ولكن الحقيقة أنه لا يمكن لأي فصيل وحده أن يحقق نصرا يذكر، حتى العساكر لم يتمكنوا من إتمام انقلابهم إلا بعد أن وقف بجوارهم فصائل أخرى.

هيئوا أنفسكم لتجرع كأس السم قبل عدوكم بإرادتكم.. أو كونوا ردة فعل، وسوف تتجرعونه مجبرين مضطرين، وقد ينفع حينها وقد لا ينفع!

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين..

عبدالرحمن يوسف

موقع إلكتروني: www.arahman.net

بريد إلكتروني: [email protected]
التعليقات (38)
محمد
الإثنين، 31-08-2015 07:58 م
كيف
راضي
الخميس، 09-07-2015 02:16 ص
من افضل المقالات التي قرأتها
gamil
الثلاثاء، 07-07-2015 04:42 م
الحق أقول لكم.. إن كؤوس السم أمامنا جميعا.. وخصمنا المجرم هو أجرأنا في تجرع كأسه..! لقد تجرع خصمنا كأس السم عدة مرات منذ اندلاع ثورتنا المجيدة في يناير 2011. تجرعه في الحادي عشر من فبراير 2011، وخلع رئيسه المقدس، بطل الحرب المقدسة.. قطع ذراعا ليبقي على بقية الجسد. تجرعوا كأس السم ووضعوا أيديهم في أيدي الإسلاميين (منافسهم الحقيقي على السلطة) لكي يفرقوا الصفوف، ولكي يضمنوا بقاء المجلس العسكري وحده يدير المرحلة الانتقالية. تجرعوا كأس السم في نوفمبر 2011 في أحداث محمد محمود، وخرج مشيرهم يعد بتسليم السلطة قبل نهاية يونيو 2012، وكانت خطتهم التراجع عن كل الوعود. تجرعوا كأس السم وخضعوا لنتيجة انتخابات الرئاسة، وظلوا يتجرعون كؤوس السم يوما بعد يوم، يؤدون التحية العسكرية، لمدني، ملتح، ينتمي لفصيل يكرهونه كرها لا مثيل له. تجرعوا كأس السم ووضعوا أيديهم في أيدي ثوار يناير (عدوهم اللدود)، لكي ينفذوا انقلابهم على الديمقراطية في الثالث من يوليو، وقبلوا بتلميع عشرات من شباب الثورة من سائر التيارات، وفتح المنابر كلها لهم بلا أي تحفظ. لقد وضعوا محمد البرادعي (وهم يكرهونه أكثر من كرههم للديمقراطية نفسها) في موقع نائب الرئيس.. ليس حبا فيه، بل لكي يمر الانقلاب، ويسوقوا جريمتهم أمام المجتمع الدولي، إنه كأس سم تجرعوه كاملا.. في سبيل إنجاح مخططهم الشيطاني. خصمنا اليوم.. يجلس على الطاولة وأمامه كأس سم آخر، ربما يضطر في يوم قريب إلى تجرعه، ولكنه كأس مختلف، قد تكون جرعة السم هذه المرة قاتلة! الإسلاميون.. أمامهم كأس سم.. يتعلق بموقفهم من عودة مرسي، ويتعلق بالإفصاح عن رؤيتهم لما بعد "سيسي"! كثير من التيارات الثورية تخاف من رغبات السيطرة والاستحواذ التي عودهم عليها الإخوان، ويعترضون أيضا على مسألة اختصار شعار عميق مثل "الشرعية"، في معنى هو إلى السطح أقرب مثل عودة مرسي، أو عودة دستور 2012، فمرسي عليه مسؤولية كبيرة لكل ما حدث، وعليه مسؤولية الركون إلى العسكر، كما أن دستور 2012 دستور عسكري، والفارق بينه وبين الدستور الحالي ليس كبيرا (في رأيهم). لو تجرع الإخوان أو الإسلاميون كأس السم ذاك، وطمأنوا إخوانهم في التيارات الثورية.. ربما تقصر المسافة بين الوضع الحالي، وبين سقوط دولة الاستبداد العسكري. كأس السم أمام التيارات الثورية أيضا.. فدعوات الاصطفاف الثوري تعني تراجعات كبيرة عن مسلمات كثيرة آمنوا بها في وقت من الأوقات، كما أنها تعني اعترافا بكثير من الأخطاء وربما الخطايا، (منها خطيئة مهادنة العسكر التي ما زالوا يرفضون مسامحة الإسلاميين عليها). استجابة التيارات الثورية لدعوات الاصطفاف، والتعامل مع مكونات التيارات الثورية الأخرى وعلى رأسها الإسلاميون، والاعتراف بخطأ المسار، والاعتراف بأن شباب التيار الإسلامي كان لهم الدور الأكبر والأعظم في حماية الثورة خلال العامين المنصرمين.. كل ذلك عند كثيرين كأس سم ينبغي تجرعه! من يجرع كأس السم أولا سيكون الرابح (مرحليا على الأقل)، ومن يتأخر في تجرع كأس السم قد يتجرع ألف كأس بعد فوات الأوان. لو تجرع العسكر كأس السم وقطعوا ذراعاً آخر من أجل الإبقاء على الجسد، وحذفوا "سيسي" من المعادلة.. لن نكون إزاء تغير كبير في المشهد، وسوف يحاول العساكر اكتساب شرعية جديدة مضافة، بينما سيبقى حال سائر الأطياف على ما هو عليه، بل أسوأ وأضعف. حينها سيجد الإسلاميون أنفسهم أيضا مضطرين لتجرع كأسهم، وسيجد الثوريون أنفسهم في الموقف ذاته، وإذا لم يتجرع كلاهما كأسه حينها لكي تتوحد صفوفهم سويا.. فسوف يتفاوض العسكر مع كل فصيل منفردا، وسوف يحافظون على تفتيت جميع القوى، لكي يعيدوا إنتاج شكل جديد من أشكال الاستبداد أكثر توحشا. في الذكرى الثانية لتظاهرات الثلاثين من يونيو، لانقلاب الثالث من يوليو أرى المشهد كالتالي : النظام أمام فشل محقق خلال عدة شهور.. ومن لا يرى ذلك فهو مخطئ، فحاضنة النظام الشعبية لا تكفي للاستمرار، والدعم الإقليمي السياسي والاقتصادي وصل إلى آخره، وبدأت التصريحات بأنه لا دعم اقتصادي لمصر خلال العام القادم، وبالتالي نحن أمام انهيار اقتصادي قريب لا محالة. أما الوضع الدولي، فيتلخص في أن إسرائيل هي الداعم الوحيد للنظام الحالي، وهي المسوِّق الوحيد له، وهذا لا يكفي بحال من الأحوال، وسنرى قريبا أننا أمام رئيس لا يستطيع أن يؤدي مهام وظيفته في كثير من الدول؛ بسبب مذكرات قانونية تطارده أينما ذهب كمجرم حرب. أخشى أمام هذا الوضع أن يسبقنا عدونا في تجرع كأسه، وأن نظل رد فعل على ما يفعل، وأن يتأخر رد فعلنا فتتعقد الأمور أكثر وأكثر. إن ردود الأفعال في الذكرى الثانية من الانقلاب لا تخرج عن نوعين: النوع الأول: الشماتة! وهؤلاء حمقى.. لا طائل من الحوار معهم.. كل الهدف من أفعالهم وأقوالهم (فشة غل)! فترى أحدهم يشمت في اعتقال بعض شباب الثورة من التيارات المدنية (من أعان ظالما سلطه الله عليه!!!).. وكأن آلاف المعتقلين من التيار الإسلامي لا ينطبق عليهم أنهم قد أعانوا الظالم نفسه، وأنه قد سلط عليهم! وآخرون يستغلون كل خبر صغير أو كبير (مثل تسريبات ويكيليكس الأخيرة) لإظهار أن التيار الإسلامي مجرد نسخة من النظام العسكري، وأنه لا فارق بينهما، كل ذلك لكي يعفي نفسه من واجب الاصطفاف، ومن معركة مواجهة الاستبداد والفاشية العسكرية التي تحكم مصر. والنوع الثاني : يقول بأمانة لكل من لديه بقية من ضمير أو مثقال ذرة من عقل (لقد أخطأنا جميعا، وخطأ الكبير كبير، وخطأ الصغير صغير، وباب المراجعة مفتوح، وخير لنا أن نتعظ بما فعله عدونا، وكيف استطاع أن يتعاون مع أناس يبغضهم ويكرههم لكي يصل إلى هدفه.. شركاء الميدان أولى بذلك.. من أجل هدف سامٍ، ودون نية غدر، التسامح مكرمة، ولا ثورة دون تسامح، كما أنه لا ثورة دون قصاص)! إن مصير هذه الثورة مرهون بقدرة فصائل الثورة من سائر التيارات على أن يتوحدوا مرة أخرى أمام النظام العسكري الغاشم، هذا التوحد في نظر الجميع كأس سم، ولكن الحقيقة أنه لا يمكن لأي فصيل وحده أن يحقق نصرا يذكر، حتى العساكر لم يتمكنوا من إتمام انقلابهم إلا بعد أن وقف بجوارهم فصائل أخرى. هيئوا أنفسكم لتجرع كأس السم قبل عدوكم بإرادتكم.. أو كونوا ردة فعل، وسوف تتجرعونه مجبرين مضطرين، وقد ينفع حينها وقد لا ينفع!
عبدو علي
الثلاثاء، 07-07-2015 02:07 م
تحليلك للموقف ممتاز لكن هل ينتبه البعض الي ان عنصر الوقت مهم جدا في الاصطفاف ضد العدو .
الحق احق ان يتبع
الإثنين، 29-06-2015 12:21 ص
(لقد أخطأنا جميعا، وخطأ الكبير كبير، وخطأ الصغير صغير) هذه الكلمات دائما يرددها الصغير ليقول (الكل اخطأ) وهناك فرق كبير بين الخطأ السياسى والتنازل عن المبادئ والقيم والاخلاق لتحقيق الفوز على المنافس الذى فاز عليك بشرف ودائما الصغير يرى الكبير مخطئ لانه صغير ولا يفهم وجهة نظر الكبير الا عندما يكبر

خبر عاجل