سياسة عربية

في يومه العالمي.. كيف خدع الغرب العرب بأكذوبة حمايته حقوق الإنسان؟

تعهدت إدارة بايدن بتقديم العتاد والسلاح لإسرائيل، فيما حركت وزارة الدفاع حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر فورد" لتدمير غزة - جيتي
تعهدت إدارة بايدن بتقديم العتاد والسلاح لإسرائيل، فيما حركت وزارة الدفاع حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر فورد" لتدمير غزة - جيتي
يواصل الغرب دعايته بأنه الراعي الرسمي الأول لحقوق الإنسان في العالم، إلا أن تجارب تلك الدول مع العرب والمسلمين تظل كاشفة عن أنها خدعتهم بهكذا شعارات، وأكدت أن حقوق الإنسان كلمات يتاجر بها الغرب، ولا يطبقها إلا على شعوبه، بحسب مراقبين.

ولا دليل أكبر من حرب الإبادة الدموية التي تشنها الآلة العسكرية الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي على قطاع غزة، بسلاح ودعم مادي وسياسي أوروبي وأمريكي، وآخرها السبت، باستخدام واشنطن حق النقض الفيتو لرفض مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي لوقف الحرب وفرض الهدنة.

وبدا الانحياز الأوروبي والأمريكي للاحتلال الإسرائيلي لافتا، بزيارة كبار المسؤولين الأوروبيين والأمريكيين لتل أبيب، وبينهم المستشار الألماني أولاف شولتس، والرئيس الأمريكي جو بايدن، ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وغيرهم، لإعلان دعمهم إسرائيل.

اظهار أخبار متعلقة



"انحياز غربي ضد غزة"
وتعهدت إدارة بايدن بتقديم العتاد والسلاح للاحتلال ، فيما حركت وزارة الدفاع حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر فورد"، وطراد صواريخ "تيكوندروغا"، و4 مدمرات صواريخ "آرلي بيرك"، لشواطئ غزة.

وزاد "البنتاغون" أسراب الطائرات المقاتلة من طراز إف-35، وإف-16، وإف-15، وإيه-10، فيما كشفت الخارجية الأمريكية، السبت، عن بيع إسرائيل بشكل طارئ 14 ألف طلقة دبابة ومعدات بـ106.5 ملايين دولار.

وفي 16 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، قال وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان ليكورنو، إن بلاده تقدم دعما استخباراتيا لاحتلال.

وفي 15 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أكدت دول الاتحاد الأوروبي (27 دولة) على "حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها"، فيما أدانت حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، واصفة "طوفان الأقصى" بالهجمات الإرهابية.

وفي 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أعلن رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك، إرسال سفينتين حربيتين وطائرات هليكوبتر وطائرات مراقبة لتقديم "دعم عملي" لإسرائيل وضمان "الردع".

وتعهد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس من تل أبيب بدعم الاحتلال بكل ما يحتاجه، كما وضعت برلين منذ 12 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، طائرتين مسيرتين حربيتين من طراز "هيرون تي بي" تحت تصرف الاحتلال.

وبدم بارد قتل الاحتلال بدعم السلاح الأمريكي والأوروبي أكثر من 17.500 فلسطيني حتى الأحد، وجرحت أكثر من 43.600 آخرين، بجانب تدمير كامل للبنية الأساسية بالقطاع، وهدم آلاف المنازل والمدارس والمشافي.

وهو الوضع الكارثي الذي وصفه المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، بقوله إن "ما يجري في غزة جحيم على الأرض"، منتقدا تسامح المجتمع الدولي مع الهجمات الإسرائيلية على القطاع.

"خذلان الربيع العربي"
كما دعمت دول أوروبا وأمريكا الارتدادات التي حدثت ببلدان الربيع العربي، والانقلاب في مصر على أول تجربة ديمقراطية حقيقة شهدتها البلاد وأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا الراحل محمد مرسي، بل وتركته والآلاف من أنصاره قيد الاعتقال حتى توفي بمحبسه 17 حزيران/ يونيو 2019، دون تحقيق أو عقاب.

وفي ليبيا، دعم الغرب وأد الثورة الليبية وغض الطرف عن انقلاب اللواء خليفة حفتر على حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا في طرابلس عام 2015.

كما مررت تلك الدول انقلابا ناعما في تونس قاده الرئيس قيس سعيد 25 تموز/ يوليو 2021، على البرلمان المنتخب والشرعي بالبلاد وأعاد ثورة الياسمين إلى ما قبل تفجرها عام 2011.

اظهار أخبار متعلقة



"تماهي مع المجازر"
دليل آخر، على مزاعم حماية الغرب لحقوق الإنسان، تمثل في تغاضيه عن جرائم النظام العسكري الحاكم بحق المصريين منذ ثورة كانون الثاني/ يناير 2011، ومرورا بمجازر الانقلاب العسكري منتصف 2013، بميادين "رابعة العدوية"، و"النهضة"، وغيرها من أعمال قتل طالت آلاف المصريين حتى اليوم.

وبعد أن أعلن المرشح الأمريكي للرئاسة جو بايدن، منتصف 2020، أنه حال فوزه بالانتخابات الرئاسية لن يعطي "ديكتاتور ترامب المفضل شيكات على بياض"، في إشارة لوقف دعم نظام السيسي، رفضا لجرائمه في حقوق الإنسان.

ولكن إدارة بايدن، واصلت دعم السيسي، بل وأشادت مرارا، كما باعته السلاح دون انقطاع، في صفقات آخر 3 منها تكلفت نحو 6 مليار دولار بالنصف الأول من 2022

"نشر خاشقجي"
ومرر الغرب جريمة قتل النظام السعودي للصحفي السعودي جمال خاشقجي بقنصلية بلاده بإسطنبول 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، حيث أنه وبرغم استغلال الغرب القضية إعلاميا وسياسيا لابتزاز الرياض اختفى تماما الحديث عن معاقبة مرتكبي الجريمة البشعة التي تمت بتقطيع جسد خاشقجي المعارض السعودي، بالمناشير.

وصمت الغرب سنوات على جرائم بشار الأسد في سوريا، وبرغم مذكرات التوقيف والاعتقال الدولية بحق الأسد ورموز حكومته على آلاف الجرائم التي ارتكبوها بحق الإنسانية إلا أنه يتحرك بين روسيا وبين بلدان عربية أخرى دون أية محاسبة.

وحصدت الآلة العسكرية للجيش السوري مدعومة بمليشيات إيرانية ومرتزقة أجانب وبالأسلحة الروسية في 10 سنوات أرواح 389 ألف سوري، بينهم 22 ألف طفل، و14 ألف امرأة، و81 ألف رجل، وأصابت حوالي 2.1 مليون سوري، وتهجير ونزوح نحو 13 مليون آخرين، وفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

وغيرها الكثير والكثير من المواقف التي سقطت فيها دعاية الغرب عن حماية وتبني حقوق الإنسان، ما يؤكد خداعها للعرب بتلك الأكذوبة.

"وضوح الشمس"
وفي حديثه لـ"عربي21"، أكد رئيس لجنة التزكية والتعليم الشرعي في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور وصفي أبوزيد، أن "الغرب خدع العرب مرارا ولا يزال يخدعهم بأكذوبة حمايته حقوق الإنسان"، مبينا أن الوقائع التي يمكن سردها وسقطت فيها أكذوبة الغرب بحماية حقوق الإنسان "واضحة مثل الشمس".

اظهار أخبار متعلقة



"خيبتنا في جعبته"
وفي رؤيته، قال السياسي المصري الدكتور ثروت نافع: "لا أرى أن الغرب خدعنا في فكرة حقوق الإنسان؛ فمنذ تطبيقها بعد الحرب العالمية الثانية كان منحازا دائما للشعوب التي تمتلك قدراتها السياسية، وكان دائما يستهين بالشعوب التي تخضع للحكام، وكان يعتبرها شعوبا على الهامش".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "وظهر ذلك منذ أن ظهرت فكرة التقسيم (بحق فلسطين) عام 1947، ثم فيما تلى ذلك من مناصرة الانقلاب العسكري بمصر 1952، وما تلى ذلك من مناصرة انقلابات بدول كثيرة حول العالم، وكذلك حرب كوريا وفيتنام، وما إلى ذلك".

وأشار إلى أن "الأمثلة كثيرة"، مؤكدا أن الغرب "يحترم حقوق الإنسان عندما يراه إنسانا، ولا يرى الإنسان إنسانا إلا إذا امتلك صوته وامتلك إرادته السياسية"، وفق وجهة نظر نافع.

وختم حديثه بالقول: "أما أننا دائما نعول عليه أو نضع كما يقال بالمثل الشائع (خيبتنا في جعبته)، لا أراه مبررا، فأن ننتظر أن ينصرنا الغرب في فكرة حقوق الإنسان فعلينا أن ننصر أنفسنا قبل أن ننتظر المساعدة، وعلينا أن نحترم أنفسنا ونمتلك إرادتنا السياسية، قبل لوم الغرب على احتقارنا وجعلنا بمنزلة أقل إنسانية من شعوبه".

"أول من ينتهك الحقوق"
وقال الخبير بالقانون الدولي الدكتور سعيد عفيفي، لـ"عربي21": "حقوق الإنسان هي حقوق فردية يتمتع بها الناس بمجتمعاتهم، وطبقا لدساتير العالم وقوانينك فهي مصونة ومحمية ولا يجوز انتهاكها".

عضو مجموعة "تكنوقراط مصر"، والناشط المعارض بأمريكا، أضاف: "تلك حقوق يتساوى فيها الناس دون اعتبار الدين والعرق والنطاق الجغرافي والجنس والسن وكون الإنسان سجينا أم حرا"، موضحا أن "هذه لمحة عامة يتعين أخذها بالاعتبار عند التعمق بحقوق الإنسان".

وأكد أنها "ليست فقط ما يتعلق بالاعتداء على جسد وحرية الإنسان؛ لكنها تمتد لحقوقه المدنية والسياسية والاقتصادية، ويتعين هنا التطرق للحقوق المدنية، وكيف ينتهكها الغرب كباقي الدول تماما".

وأوضح أن "الحقوق المدنية مرتبطة بالحقوق السياسية من حرية التعبير عن الرأي والأخذ برأي الأغلبية بالقوانين التي تمس المجتمع، ولكن للأسف لا يعير الغرب لآراء الأغلبية اهتماما، حيث تسيطر النخب والأحزاب على الجهات التشريعية، وتسن قوانين قد لا تتوافق ورأي الأغلبية، وأيضا تنتهك دول الغرب حقوق غير مواطنيها بشكل فج وتعتبرهم أقل درجة من مواطنيها".

وضرب مثلا لوجود "بالإضافة إلى المعاهدات الدولية، وثيقة الحقوق للمواطنين الأمريكيين، وفي حقيقتها تعتبر دستورا للبلاد ولا يجوز الخروج عليها؛ ولكنها لا تسمح لغير مواطنيها بالتمتع بهذه الحقوق، فحق العلاج والطعام مكفول بالوثيقة ولكن إذا تعلق بغير الأمريكي فلا مانع من منع الدواء والغذاء عنه".

ولفت أيضا إلى "حق تقرير المصير بمواثيق الأمم المتحدة ومعاهداتها ويضرب به عرض الحائط عندما يتعلق الأمر بأي مجموعة عرقية، فالهنود الحمر بأمريكا ليس من حقهم تقرير مصيرهم، واحتجزتهم أمريكا بمستوطنات بولايات متباعدة وكأنه سجن كبير، مثل حالة قطاع غزة لدينا".

وأوضح أنه "وبالتالي فليس لغير الأمريكي الأبيض حقوق بوطنه الذي ولد فيه إلا بقدر يجعل بينه وبين صانع القرار مسافة لا يقترب منها، ويظهر هذا جليا بنظام العدالة المبني على إضعاف فئة بعينها؛ ومنها عدم الوصول لمناصب معينة بتلفيق تهم لغير البيض منذ الصغر ليصبح عائقا جنائيا يحول بينه وبين وظائف بعينها".

"فقط لهذا الغرض"
ويرى الناشط المصري المعارض من أمريكا، سعيد عباسي، أن "الغرب خدع العرب بأكذوبة حقوق الإنسان بتبنيه بعض المؤسسات، وحديثه الدائم بأنه الراعي الرسمي لها، ولكن مع كل حرب على الشعب الفلسطيني أو مجازر ترتكب بحق المسلمين هنا، تظهر عنصريتهم وأكاذيبهم".

وأضاف لـ"عربي21": "فالديمقراطية المقررة للعرب أن يكون الفائز بالانتخابات على هوى الغرب، أما إذا كان هدف الديمقراطية التحرر من التبعية، يتجلى حقدهم وزيف ادعاءاتهم".

وأشار إلى "تغاضي الغرب عن قتل أكثر من 10 آلاف مصري واعتقال 100 ألف بعد انقلاب عسكري دموي على ديمقراطية ليست على هواهم، لأن الرئيس محمد مرسي أراد لمصر الحرية والكرامة والتخلص من التبعية، فكان السكوت عن انقلاب وقتل واعتقالات، وتدمير مبادئ حقوق الإنسان، ومازال يمد الانقلاب بالمال والدعم".

وأضاف: "وبسوريا وقعت للشعب السوري الأهوال على يد السفاح بشار الأسد، ولو أرادوا خلعه لخلعوه، لكنها كعكة تقتسمها دول الغرب، أنت بسوريا وهذا بمصر وذاك لليمن، أما بفلسطين فحدث ولا حرج، لكنها الكاشفة الفاضحة لزيف وأكاذيب الغرب، وأمريكا التي تقود الحرب مع الكيان المحتل".

وأكد أنه "لا حدود لانتهاكات حقوق الإنسان، ولا حدود لقتل الأطفال والنساء والمدنيين، طالما الضحية عربي أو مسلم فلا بأس؛ لكن حرب غزة الحالية أيقظت وعي شعوب العالم، ومنهم الأمريكي والأوروبي، فمازال الحراك الهادر بعواصمها رفضا لإبادة شعب فلسطين.

وتوقع عباسي، بنهاية حديثه أن يكون "الشباب الواعي درعا بمواجهة الحكومات الغربية، وتغيير المعادلة، وعقاب كل الحكومات والمؤسسات المتواطئة مع الإبادة الجماعية لشعب فلسطين".

"ديمقراطية مشروطة"
وقال الباحث الفلسطيني صلاح الدين العواودة، لـ"عربي21"، إن "الغرب مهد العنصرية بالعالم، ومقاييسه لحقوق الإنسان تعتمد على معاييره العنصرية الداخلية، أما فكرة قيام الثورات ضد الدكتاتوريات وحقوق الإنسان حصرية للإنسان الغربي".

الباحث بمركز "رؤية للتنمية السياسية"، بإسطنبول، أضاف: "انطلق الغرب بحملته الاستعمارية بالعالم بناء على أفكار التحرر والديمقراطية وحقوق الإنسان أساسا، ولكن كان خلفها خطة للأجرام وخداع الشعوب".

وضرب مثلا بالاحتلال الفرنسي للجزائر، موضحا أنه "كانت هناك نخب تؤمن بأفكار الثورة الفرنسية وأنها جاءتهم بالحريات وحقوق الإنسان، وكذلك حملة نابليون على مصر التي خدعت بعض النخب التي تعامل الاستعمار معها ليسوق حقوق الإنسان، لكن التجارب العملية كان أكثر إجراما وخصوصا من فرنسا".

ولفت أيضا إلى أن "تاريخ الإجرام في أمريكا قبل قيامها وحتى اليوم، ليس مع الهنود الحمر فقط بل بعلاقاتها مع الشعوب التي هاجمتها بالحرب العالمية الثانية، حيث حبست 150 ألف مواطن أمريكي من أصول يابانية، وذلك فقط لأن بشرتهم مختلفة عن الأمريكيين".

العواودة، قال إن "هناك الكثير من الأمثلة للبريطانيين والإسبان وكل الغرب، تعاملوا بعنصرية، وكذلك موقفهم من الأنظمة العربية كداعم للدكتاتوريات، فأينما تفوز الديمقراطية ينقلبوا عليها، ليؤكدوا أن حقوق الإنسان خاصة للغرب والأوربيين البيض، وليست لباقي الشعوب، وليس المسلمين فقط، بل مع شعوب أفريقيا وآسيا".

وختم بالقول: "الديمقراطية للغرب ولمن يخضع لها بالكامل ثقافة وسياسة وأمنا، وبالتالي هي ديمقراطية وحقوق إنسان مشروطة، ولذلك ما يجري بفلسطين ليس استثناء عن هذه القاعدة، فالغرب مستمر بالعنصرية، وستبقى معاملة الكيل بمكيالين مع مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية كلما تعارض الأمر ومصالحهم".
التعليقات (0)