اقتصاد تركي

"تحول في السياسة النقدية".. هل يتحسن اقتصاد تركيا برفع سعر الفائدة؟

من المتوقع أن يُعلن البنك المركزي التركي عن رفع أسعار الفائدة- جيتي
من المتوقع أن يُعلن البنك المركزي التركي عن رفع أسعار الفائدة- جيتي
نشرت صحيفة "دويتشه فيله" الألمانية في نسختها الإنجليزية، تقريرًا تناولت فيه مسألة التوجه المحتمل للاقتصاد التركي نحو التحوّل في السياسة النقدية، من خلال اعتزام الحكومة رفع أسعار الفائدة.

وقالت الصحيفة، في تقريرها التي ترجمته "عربي21"، إن الرئيس رجب طيب أردوغان، بعد إعادة انتخابه، أعطى إشارات تفيد بالتحول في السياسة النقدية، والابتعاد عن سياسة الفائدة المنخفضة غير التقليدية التي كان يتبعها سابقا.

وذكرت الصحيفة أنه عندما يجتمع البنك المركزي التركي الخميس، فلن يكون الاهتمام مقتصرًا على الجمهور المحلي فحسب؛ بل إن الأسواق المالية والصرف الأجنبية العالمية تراقب البلاد بشغف، حيث ينتظرون بفارغ الصبر تأكيدًا على أن صناع السياسات المالية والنقدية في تركيا بالفعل على وشك العودة إلى السياسة الاقتصادية العقلانية.

بالإضافة إلى ذلك، أظهر عودة وزير المالية السابق محمد شيمشك إلى الحكومة، وتعيين حافظة غاية أركان رئيسة جديدة للبنك المركزي التركي، علامات متزايدة على أن أردوغان أعطى أخيرًا الضوء الأخضر للتحول في السياسة النقدية لبلاده.

وأشارت الصحيفة إلى أن الاقتصاد التركي كان في أزمة مستمرة، وصلت ذروتها مع التضخم الهائل الذي بلغ أكثر من 80 بالمئة العام الماضي، قبل أن يتراجع من ذروته إلى حدود الـ40 بالمئة في أيار/ مايو الماضي.

وتابعت الصحيفة، بأن تركيا التي تفتقر للمواد الخام، تقليديًّا تستورد العديد من السلع أكثر مما تصدر، وبالتالي فهي تعاني من عجز كبير في الحساب الجاري؛ حيث تُقدر الاحتياجات التمويلية الخارجية الحالية لتركيا بأكثر من 200 مليار دولار.

في المقابل، بينما كانت الليرة تساوي أقل من 0.60 يورو في بداية عام 2008، فإن سعر الصرف الحالي هو 0.04 يورو مقابل كل ليرة تركية. وبسبب التراجع المأساوي للعملة، فإنها تستمر تكاليف استيراد المواد الخام والسلع في الارتفاع.

من ناحية أخرى، يتوقع اقتصاديون في "جي بي مورغان تشيس بنك" أن يرفع البنك المركزي التركي سعر الفائدة الرئيسي الحالي البالغ 8.5 بالمئة إلى ثلاثة أضعافه في اجتماعه الخميس. وتوقع المصرفيون الأمريكيون - في تقرير حديث - أنه بحلول نهاية العام، يمكن أن تصل أسعار الفائدة إلى 30 بالمئة.

بالمقابل، أعلن وزير المالية التركي الجديد، محمد شيمشك، الذي أقاله أردوغان في عام 2018 بسبب الخلافات حول السياسة المالية، قبل أيام قليلة أن بلاده ستعود إلى "الأساسيات العقلانية" في السياسة الاقتصادية والمالية.

اظهار أخبار متعلقة


هل سيتحسن كل شيء؟
بدوره، تناول المحلل والخبير الاقتصادي التركي مهفي إيلماز موضوع ما إذا كان رفع الفائدة سيؤدي إلى حل جميع المشاكل الاقتصادية في تركيا.

وقال الكاتب إنه في العلم لا يوجد مكان للمعجزات، وبالتالي فلا توجد عصا سحرية. لذلك، يجب على البنوك المركزية أن تتأمل جيدًا وتفحص اتجاه التضخم وقدرتها على استخدام الأدوات المتاحة قبل اتخاذ قرارات تتعلق بسعر الفائدة.

وذكر الكاتب أن قيمة العملة الوطنية في تركيا آخذة في الانخفاض، وأن السبب الرئيسي للتضخم هو تدهور قيمة الليرة التركية، بغض النظر عن أن أسعار المنتجات المستوردة ترتفع أحيانًا بسبب زيادة الأسعار الخارجية.

وأشار الكاتب إلى أن هناك ثلاثة أسباب لارتفاع الأسعار داخل البلاد: أولاً، انخفاض القيمة الأجنبية للعملة المحلية بسبب علاوة المخاطرة وبالتالي زيادة المدخلات المستوردة، والثاني هو المشاكل التي يواجهها الإنتاج، وخاصة في قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية، والثالث هو الطلب الزائد للعملة الأجنبية الناتج عن هروب الأموال. لكن، يبقى السؤال؛ هل ستحل كل المشاكل الاقتصادية بمجرد رفع أسعار الفائدة؟

وأفاد الكتاب بأن السياسة الاقتصادية التي تم تنفيذها في تركيا خلال السنتين الماضيتين هي مثال نموذجي على كيفية انهيار الاقتصاد عند تنفيذ سياسة الفائدة بشكل غير صحيح؛ حيث قام البنك المركزي بارتكاب خطأ تاريخي عندما خفض أسعار الفائدة واستمر في خفضها في ظل بيئة تشهد ارتفاعًا في التضخم. وفي النهاية، فقد وصل الاقتصاد إلى نقطة لا يمكن الخروج منها، والآن يواجه الضرورة لزيادة أسعار الفائدة مرة أخرى. في هذه المرحلة، فإن الإجابة عن السؤال المتعلق بما إذا كان بإمكاننا حل المشاكل من خلال زيادة أسعار الفائدة هي:

اظهار أخبار متعلقة


"يمكن للفائدة وحدها أن تعطل النظام الاقتصادي بأكمله، ولكنها وحدها لا تستطيع إصلاح النظام الاقتصادي بأكمله".

وأورد الكاتب أنه على الرغم من أن سعر الفائدة الأساسية للبنك المركزي لا يزال 8.5 في المائة، إلا أنه ليس له أي معنى خارج البنوك التي تقترض من البنك المركزي. لأن أسعار الفائدة على الودائع في السوق تصل إلى 35-40 بالمئة، وأسعار الفائدة على القروض تتراوح بين 45 و50 بالمئة. بالمقابل، فإنه يبلغ معدل الفائدة المرجعي 15.8 بالمئة (معدل الفائدة على السندات الحكومية الأكثر تداولاً في السوق، والتي لها سنتان حتى تاريخ الاستحقاق، وتُدفع فائدتها كل ثلاثة أو ستة أشهر). في هذا السياق، ما هو معنى زيادة سعر الفائدة الأساسية للبنك المركزي؟

تعتبر الفائدة مجرد وحدة قياس مادية ومؤشر، بالإضافة إلى أنها تُعتبر مؤشرًا للتقارب التوجيهي للسياسة الاقتصادية للإدارة الاقتصادية وللتدابير التي يمكن اتخاذها لتوجيه المسار. لذا، ستُعتبر الزيادة في سعر الفائدة الأساسية إشارة للعودة إلى السياسات الصحيحة. ومع ذلك، فإنه في المرحلة التي وصلنا إليها، لن يكون لهذه الخطوة الكثير من المعنى إذا لم تدعم بـ"إجراءات إصلاحية". بل قد يستخدمها معارضو زيادة سعر الفائدة لدعم أطروحاتهم عند ظهور العديد من السلبيات في وقت قصير. لتجنب ذلك، فإنه يجب تنفيذها بالضرورة مع برنامج محدد.

وبحسب الكاتب؛ فإنه سيكون من الذكاء زيادة سعر الفائدة بشكل تدريجي مع برنامج إصلاحي هيكلي قوي. على سبيل المثال، سيكون من المفيد جدًا أن يتم الإعلان عن زيادة سعر الفائدة السياسية بمقدار 5 نقاط بالتزامن مع الإصلاحات الهيكلية وأن تستمر زيادة سعر الفائدة تدريجيًا حتى انخفاض التضخم. فذلك سيحقق نتائج إيجابية بشكل كبير.

واختتم الكاتب التقرير بتوقع أن زيادة سعر الفائدة بمقدار 20 إلى 30 نقطة دون دعم إصلاحات هيكلية ستكشف فجأة الأزمة الاقتصادية المكتومة. إذا حدث ذلك، فسيتم ترديد الرأي بأن زيادة سعر الفائدة المذكورة أعلاه لم تكن ذات جدوى وسنجد أعدادا لا تُحصى من المعارضين.
التعليقات (0)