كتاب عربي 21

برنارد تابي.. الرجل الذي قرأ نَعْيَه

برنارد تابي
برنارد تابي

الطبيبة: هل هناك من أحد ليقوم مقامك في إدارة الشركة؟

المريض: ليست هذه أمور يمكن التحضير لها مسبقا. في كل الأحوال، أرجو أن يبقى هذا سرا بيننا.

الطبيبة: يمكننا إجراء حصص العلاج الكيميائي في العيادة، وإن احتجنا إجراء عمليات سنقوم بذلك خارج البلاد. في حالتك يلعب الجاني النفسي دورا كبيرا في العلاج.

المريض: أعلم ذلك فكثيرا ما سمعت هذا الكلام. وكنت أستغرب كيف كان الآخرون لا يتفهمون الموضوع. لكنني اليوم أكتشف أن ليس هناك من إنسان قوي. ليست هذه المرة الأولى التي أتلقى فيها تهديدات بالقتل. لكنها الأولى التي يكون فيها المصدر مكشوفا.

كان هذا مشهدا من فيلم (رجال ونساء: طريقة الاستخدام) ـ 1996 للمخرج كلود لولوش، وكان المريض هو بونوا لوبلان، رجل الأعمال الناجح، الذي لعب دوره برنار تابي، وبدا كأنه يؤدي دوره الحقيقي في فيلم سينمائي باعتباره رجل الأعمال الناجح الذي كثيرا ما أثار الجدل في الساحة الفرنسية في الإعلام والاقتصاد والرياضة والسياسة. 

انتهى المطاف ببرنار تابي صريعا لمرض السرطان، قبل أيام، بعد حرب طويلة تحول فيها، كما عادته، لمثال يحتذى. مات برنار تابي ومات معه ما تبقى من "نموذج فرنسي"، ظل يناور لعقود في محاولة للإبقاء على بعض "الشرف" في الطبقة السياسية وإعلاء قيم الاختلاف والتنوع المميزين لفسيفساء المجتمع الفرنسي على الأرض. 

لم يكن غريبا إذن أن الرجل كان في قلب حروب متواصلة كانت تستهدف قتله رمزيا وإبعاده عن الساحة السياسية ليستولي عليها المهرجون ودعاة الكراهية والإقصاء. 

 

كان برنار تابي، ابن الضاحية الباريسية الذي تُوج ملكا على مارسيليا، المدينة المتوسطية التي ظلت ولا تزال تقاوم محاولات باريس ونخبتها للتغول والاستئثار بتاريخ وحاضر فرنسا. مارسيليا حيث الأعراق متعايشة وحيث للمهاجرين، المغاربيين على الخصوص، حضور يزعج الكثيرين.

 



بدأ برنار تابي حياته مغنيا قبل أن يتحول إلى التجارة والأعمال ثم الرياضة والسياسة وبعدها التمثيل. وفي كل المحطات كان حضوره طاغيا على المستوى الإعلامي حيث ظل يتنقل بين الاستوديوهات مقدما لبرامج أو ضيفا ومحللا. لكن نجمه السياسي سطع، حين واجه في مقابلة شهيرة، زعيم اليمين المتطرف وقتها جان ماري لوبان في وقت كان الجميع يتجنبه ويهابه. لقاء فتح له أبواب "الزعامة" السياسية. لكنه شكل بالمقابل إنذارا لمجايليه من اليمين كما اليسار التقليديين، فبدأت العقبات والفخاخ تزرع في طريقه حتى وقع في شرك قضية "رشوة" لاعبي فريق منافس لأولمبيك مارسيليا بعد أن حاز معه أول وآخر لقب أوروبي لنادٍ فرنسي. 

مجابهة اليمين المتطرف لم تكن يومها مهمة يتجند الساسة لها، وهو وضع ظل مستمرا حتى اليوم فصار الكاتب اليميني ايريك زمور محددا للبرامج الانتخابية للمرشحين للرئاسة، يقتاتون من كثير من "ترهاته" حول الهجرة والإسلام والاستبدال الكبير، وصار اللعب على وتر المواضيع الثلاثة الجامع الأوحد بين برامج اليمين والوسط واليسار، لدرجة استبعاد قصر الإيليزيه الخباز التونسي مكرم العكروت، الفائز بمسابقة "أفضل باقيت (خبز) في باريس" من تزويد القصر الرئاسي بالخبز تماشيا مع اتهامات يمينية له باتخاذ مواقف سابقة مناهضة لفرنسا، بعد أن استبعدته بلدية باريس من حضور حفل التتويج بالجائزة قبلها بأيام.

شكل برنار تابي لكثيرين نموذجا ملهما للنجاح. فابن السككي الشيوعي تحول مع مرور الوقت لبلدوزر صاعد ما أن ينخرط في مجال حتى يحقق فيه النجاح. ففي السياسة وصل لدرجة الاستوزار مكلفا بالضواحي وهو قطاع يتجنبه الآخرون. وكان المحرك الحقيقي لما حققته فرنسا في الرياضة من نتائج ما كانت لتصل إليها لولا فكه عقدة الدونية الأوروبية بطلا لأندية أوروبا. أما في مجال الأعمال، فكانت إعادة هيكلة الشركات المفلسة وتحويلها للربح تخصصه بما لذلك من أثر على الاستثمار والتوظيف.

أعداؤه كانوا يركزون على ما يقلصه من وظائف في البدايات ويتجاهلون الأعداد التي يتم إنقاذها بديلا عن الإغلاق. أما في المحاكم، فقد خاض معارك قضائية في مواجهة البنوك وفي مواجهة أجهزة الدولة الفرنسية التي جعلت من الإيقاع به هدفا توارثته حكومات عن حكومات. لكنه ظل إلى آخر أيامه، وهو الذي يواجه سرطانا مزدوجا، مصرا على حضور الجلسات في مواجهة القضاة والادعاء. لم يتخلف الرجل عن قضاء مدة سجنه كاملة في قضية "رشوة" اللاعبين، والهدف كان إبعاده عن عمودية مارسيليا التي كانت لتفتح أمامه أبواب الاإيليزيه. 

اليوم، ينتفض كثير من الساسة والإعلاميين مدافعين عن نيكولا ساركوزي بعد الحكم عليه بسنة سجن نافذة في قضية فساد مالي. ساركوزي الذي كان يجوب فرنسا وزيرا للداخلية أو رئيسا للجمهورية حاملا لواء الدفاع المستميت عن ضرورة قضاء كل المحكومين بما يفوق الستة أشهر العقوبة داخل أسوار السجون دون استثناء. نيكولا سيقضيها، إن كُتِبَ له ذلك، في بيته الفاخر مراقبا بسوار الكتروني. 

لأجل ذلك، شكل برنار تابي "الاستثناء" في الساحة السياسية والإعلامية الفرنسية، وشكلت وفاته الخبر الرئيسي بالنظر لما خلفته من ردود فعل، أصدقها شعبية، أجمعت على "مكانة" الرجل بعد أن كان فيما مضى هدفا مشروعا لكل السهام. كل محاولات التشويه والقتل الرمزي والمطاردات والإجهاد في المحاكم لم تأتِ أكلها فانتصر برنار تابي وإن كانت هزيمته أمام السرطان نهائية لا لبس فيها.

في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، نشرت جريدة "لوموند" الرصينة نعيا على شكل بورتريه للرجل وأرجعت الأمر بعدها لخلل فني. علق ساخرا بالقول "إعلان وفاتي كان مبالغا فيه لدرجة أنني لم أصدق الخبر". بعدها بسنة، نشرت قناة ليكيب الرياضية خبر وفاته فرد متهكما "إنهم مستعجلون. لكن يبدو أن عليهم الانتظار لفترة أطول". 

ذاك كان برنار تابي، ابن الضاحية الباريسية الذي تُوج ملكا على مارسيليا، المدينة المتوسطية التي ظلت ولا تزال تقاوم محاولات باريس ونخبتها للتغول والاستئثار بتاريخ وحاضر فرنسا. مارسيليا حيث الأعراق متعايشة وحيث للمهاجرين، المغاربيين على الخصوص، حضور يزعج الكثيرين. حياته كانت أشبه ما تكون بفيلم سينمائي، وأدواره في السينما والمسرح كانت أقرب ما تكون إلى سيرته ويومياته.

مات برنار تابي فلتحيا الرداءة في بلد الأنوار.


التعليقات (0)

خبر عاجل