أفكَار

علمانيو فلسطين.. تنظيمات وأحزاب ونخب ومؤسسات مدنية (2من2)

لماذا ظل تأثير العلمانيين الفلسطينيين محدود في الساحة الفلسطينية؟  (الأناضول)
لماذا ظل تأثير العلمانيين الفلسطينيين محدود في الساحة الفلسطينية؟ (الأناضول)

انتشار أفكار العلمانية ورؤاها في أوساط فلسطينية مختلفة سواء أكان في الداخل الفلسطيني (48) أو في الضفة الغربية، أو في قطاع غزة، أو في مناطق تواجد الفلسطينين خارج وطنهم فلسطين مما تتابعت عليه آراء كثير من الباحثين والمراقبين، على اختلاف تقديراتهم بشأن حجم انتشارها، وأماكن تواجدها.
 
وفي هذا الإطار يرى الأكاديمي الفلسطيني، رئيس مجلة الهدف، الدكتور وسام الفقعاوي "أن الحقل السياسي والمجتمعي الفلسطيني رغم توزعه القسري، حفل بأفكار ورؤى علمانية أكثر من غيره عربيا، وذلك يعود لأسباب عدة، لعل من أبرزها، حالة الصراع مع المشروع الصهيوني الذي تأسس على أفكار توراتية (دينية) في خلق دولته الاستعمارية التي بنى لها نظاما سياسيا علمانيا في الجوهر".
 
وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول: "ففي سياق هذه الحالة الصراعية التحق كل الفلسطينيين بمختلف طوائفهم ومرجعياتهم الفكرية في العمل من أجل تحرير وطنهم من المُستعمِر الصهيوني، وفي الذهن دحض رواية المستعمر الدينية المختلقة، والتي لا يمكن أن تُدحض من ذات الأرضية التي تأسس عليها هذا المشروع، أي الدينية، وهذا بدوره انعكس في تشكل الحركة الوطنية الفلسطينية قبل وبعد هزيمة (نكبة) 1948".

 



وأضاف: "وقد توزعت بين تشكيلات وطنية وقومية وماركسية شيوعية في أغلبها، وعبرت عن ذلك في أفكارها وشعاراتها؛ فيما يتعلق بعدم (تديين) الصراع، واجتذاب كل فئات وطوائف الشعب الفلسطيني، بما في ذلك اليهود الفلسطينيين ضمن الفعل الثوري والنضالي، والتي انعكست بالتنوع الفكري والأيديولوجي الذي حفلت به مواقع تواجد الفلسطينيين، وتعميم ثقافة الاختلاف التي حفلت بها الساحة الفلسطينية، والتي كانت سياسية في جوهرها".
 
وتابع: "إضافة إلى خلق حالة تناغم وانسجام بين البعد الوطني التحرري والبعد الاجتماعي الديمقراطي، وتكريس مبادئ الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.. وصولا إلى الدعوة لبناء نظام سياسي ديمقراطي تعددي في إطار منظمة التحرير الفلسطينية؛ يقوم على مبادئ الشراكة والوحدة لا الهيمنة والتفرد والإقصاء، وليس انتهاء بإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية بعد إنجاز عملية التحرر الوطني".
 
وإجابة على سؤال: هل ثمة أطر تنظيمية ومؤسسية تتبنى أفكار ورؤى العلمانية، أكدّ الفقعاوي وجود الكثير من الأحزاب والتنظيمات السياسية بدءا من الجبهة الشعبية مرورا بالديمقراطية وحزب الشعب، والمبادرة الوطنية وغيرها، وصولا إلى أن هناك من يعتبر (فتح) حركة علمانية، بالإضافة إلى عشرات إن لم يكن مئات الأطر واللجان والمؤسسات المجتمعية التي ترتبط بها مباشرة أو مقتنعة بخطابها على الصعيد الفكري وتحاول تمثله اجتماعيا، دون إغفال حالة التراجع التي تعيشها تلك الأحزاب والتنظيمات، خاصة على الصعيد الفكري، بما يعكس نفسه على وظيفتها ودورها الاجتماعي".
 
ولفت إلى أن ما ينقص علمانيي فلسطين حتى يكون لهم حضور وتأثير هو "الوعي أولا بالوظيفة المطلوب القيام بها أصلا في ضوء الواقع الفلسطيني ومحدداته ولعل أولها، مركزية المسألة الاجتماعية في أي مشروع للتغيير الاجتماعي، في إطار جدليتها مع المسألة الوطنية ببعدها التحرري، وبالتالي فهم ليسوا في صراع مع دين المجتمع، بل مع من يحاول أن يعمم أفكار الاستكانة والخضوع والاستغلال وقمع الحريات وسلب الحقوق، وثقافة القطيع والتسليم بالأمر الواقع.. وعدم المساومة الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية في أو على تلك الأفكار".
 
وشدد الفقعاوي على أن "المطلوب من القوى العَلمانية والعَلمانيين الفلسطينيين عموما هو أخذ زمام المبادرة فكريا، ما يعني غير ما سبق ذكره، التجديد والتحديث في البنى والهياكل والأفراد ومنهجيات وطرق وآليات العمل، وهذه تبدأ مما نسميه بـ"النقد الذاتي" أو المراجعة النقدية للذات التي تفتح الطريق لآليات الوصول للقطاعات الشعبية المختلفة، ربطا بعبر ودروس التجربة، وما يستفاد منها للفعل والتأثير في المستقبل".

من جانبه وصف الناشط السياسي والحقوقي الفلسطيني من غزة، خليل أبو شمالة المجتمع الفلسطيني في الضفة وقطاع غزة بأنه "مجتمع محافظ، لكنه منفتح على وجود تيارات علمانية، ولا زالت حركة فتح تمثل الغالبية العظمى وهي محسوبة على التيار العلماني، وهي نموذج للتيارات العلمانية تاريخيا".
 
وأردف: "كما إن التنظيمات اليسارية محسوبة هي الأخرى على التيارات العلمانية، لكنها ـ للأسف ـ لم تستطع بلورة تيار قادر على المحافظة على إرث الحركة النضالية الفلسطينية، بل لم يعد هناك فصائل يسارية ترتقي ببرامجها السياسية والاجتماعية إلى مستوى معالجة تحديات الواقع وهمومه، وفي الحقيقة لم يتبق من تلك التنظيمات إلا أنها تحسب نفسها على المعسكر اليساري بالمعنى التاريخي".

 


وعن أسباب تراجع حضور التيارات العلمانية في أوساط الفلسطينين، أرجع أبو شمالة ذلك إلى "كونها لم تستطع أن تقنع المجتمع الفلسطيني بما تحمله من أفكار، في الوقت الذي لم يعد الموضوع الفكري والثقافي يشغل الفلسطينيين بقدر ما تشغلهم الهموم المعيشية، وما يخيم على الأوساط الفلسطينية من قهر الاحتلال، وحالة الانقسام، وانتشار الفقر والبطالة".
 
وتابع أبو شمالة في حواره مع "عربي21": "وللأسف فإن الشعارات التي تطرحها الفصائل الفلسطينية بما فيها التيارات العلمانية لم تعد مقنعة للجمهور الفلسطيني، ومن الأهمية بمكان الإشارة ـ ونحن مقدمون على انتخابات ـ إلى أن الشعب الفلسطيني تحلل مما كان يقال أنه مؤطر تنظيميا، فغالبية الشعب الفلسطيني مستقل ولا يتبع لا لحركة حماس ولا لحركة فتح ولا لغيرهما من الحركات والتنظيمات الأخرى".
 
أما عن تنظيمات اليسار الفلسطيني فانتقد أبو شمالة أداءها بشدة، داعيا اليسار بوصفه يساريا عمل في صفوف الجبهة الشعبية إلى "الاعتراف والإعلان عن فشله، وهو ما يوجب على اليسار الفلسطيني الذهاب إلى محطة أخرى يتطلع من خلالها ويسعى بجد لتحقيق غايات المواطن الفلسطيني، وتلبية حاجياته، ومعالجة همومه المعيشية اليومية الخانقة".

بدوره قال الكاتب والمحلل السياسي الأردني، فرج شلهوب "إن وجود أفكار العلمانية في الأوساط السياسية والثقافية والاجتماعية الفلسطينية على اختلاف تواجدها الجغرافي أمر ملموس ومنذ مرحلة مبكرة، وإذا ما نظرنا إلى التنظيمات الفلسطينية بخلفياتها القومية واليسارية أو شخصيات فلسطينية مستقلة مسلمة ومسيحية فسنجد تأثرا واضحا بالأفكار والمضامين العلمانية".
 
وأضاف: "كما إن الأفكار المؤسسة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي الوعاء الذي يحتوي مجمل هذه التنظيمات قريبة من الأفكار العلمانية، بل اعتبرها كثير من الناشطين فيها منظمة علمانية، فهي تحاول أن تنشىء نموذجا وطنيا متأثرا بالفكرة القومية، وفي نفس الوقت متأثرا بالفكرة العلمانية.

 



وأرجع شلهوب وجود الفكر العلماني وحضوره في أوساط فلسطينية عديدة إلى أن "نسبة التعليم بين الشعب الفلسطيني مرتفعة، كما إن نسبة التسييس هي الأخرى عالية في أوساطه نظرا لظروف الاحتلال الصهيوني وما يفرضه من تحديات وجودية يعمل الفلسطينيون بجد للتغلب عليها".
 
وإجابة عن سؤال "عربي21" حول وجود أطر مؤسسية تبنت الأفكار العلمانية وقامت على نشرها، أوضح شلهوب أن الفكر العلماني موجود وحاضر في أوساط تنظيمات فلسطينية عديدة، وكذلك في أوساط ثقافية وأكاديمية وتعليمية مختلفة، وفي أوساط مجاميع ومؤسسات فلسطينية، وبين المفكرين والكتاب وعموم المثقفين، كما توجد شخصيات فلسطينية معروفة في أمريكا وغيرها تبنت العلمانية بشكل واضح ودعت إليها، وعملت على نشرها".

أما عن حضور الفكر الإسلامي في الأوساط الفلسطينية فأكدّ شهلوب أنه "راسخ وممتد، كما أن الحركات الإسلامية متواجدة في الأوساط الفلسطينية المختلفة وهي تعمل بفاعلية ولها حضور قوي جدا، وتشكل حائط صد للأفكار العلمانية وتحد من انتشارها بين أبناء الشعب الفلسطيني، لأنه شعب متدين بفطرته والفكرة الدينية حاضرة لديه بقوة ومتأصلة في نفوس أبنائه".
 
ولفت شلهوب إلى أنه "من السهل لمن يعمل ضد هذه الأفكار أن يضع الكثير من القيود عليها، لأن جملة هذه الأفكار مرتبطة بالغرب، إضافة إلى طبيعة الشعب الفلسطيني، وانتشار الأفكار الإسلامية في أوساطه، فلربما تكون هذه من العوائق التي تحد من انتشار الأفكار العلمانية في الأوساط الفلسطينية".
 
ولاحظ أن ثمة "حالة من الإدماج ما بين الأفكار العلمانية ومحاولة إضفاء الطابع الإسلامي عليها، بمحاولة تحوير تلك الأفكار لتبدو منسجمة مع السياق الإسلامي بصورة عامة، بأن تكون الدولة محايدة وتقف على مسافة واحدة من جميع مكوناتها السياسية والفكرية، كما تم الإدماج من قبل بين الوطني والديني في مرحلة مبكرة، وهي قد تكون أكثر قبولا في الأوساط الفلسطينية نظرا لحالة الصراع القائمة مع الاحتلال الصهيوني".
 
وختم حديثه بالإشارة إلى أن تحييد الدين بالمعنى الإيجابي، بمعنى وجود حريات دينية للجميع، وهو ما قد يمكن للناس أن يتفهموه ويتعايشوا معه، إضافة إلى وجود محاولة تحوير للأفكار العلمانية لإيجاد نوع من التعايش بين الأفكار العلمانية بمضامينها العامة وأنها لا تتعارض مع الفكرة الإسلامية، وهذا النموذج موجود بصورة ما، وربما البيئة تساعد على هذا التنميط والدمج بين الفكرة الدينية والفكرة العلمانية في الحالة الفلسطينية، وهي تحظى بقبول أكثر مما تحظى به في بيئات أخرى".

 

إقرأ أيضا: علمانيو فلسطين.. تنظيمات وأحزاب ونخب ومؤسسات مدنية (1من2)


التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم