صحافة دولية

الغارديان: أزمة المهاجرين لا علاقة لها بالأعداد بل بالتعصب ضدهم

الغارديان: هناك من يريدون ناديا مسيحيا أبيض مغلقا في أوروبا- الأناضول
الغارديان: هناك من يريدون ناديا مسيحيا أبيض مغلقا في أوروبا- الأناضول
نشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للمحللة والمعلقة على شؤون الاتحاد الأوروبي، شدا إسلام، أشارت فيه إلى "أوروبا القلعة" أو المحصنة التي يتم إعادة تصميمها، ولكن المهمة صعبة.

وقد بدأ وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي يوم الخميس عملية إصلاح لسياسة الهجرة المتصدعة، بعد أسابيع فقط من كارثة مخيم اللاجئين موريا في جزيرة ليسبوس اليونانية. ولكن يجب عدم توقع أي تغير سريع، فالدول السبع والعشرون منقسمة بعمق بشأن اقتراحات على "اتفاقية" جديدة للجوء والهجرة.

وتدعو خطة الاتحاد الأوروبي لعملية تحرٍ سريع قبل الدخول وإعادة سريعة لمن يفشل في تحقيق مواصفات اللجوء. والتركيز يتم على إنهاء إجراءات الإدارة الحدودية البطيئة وغير الإنسانية والتي تقود إلى مخيمات مكتظة وقذرة مثل تلك التي في موريا، حيث يمكن ترك الناس لسنوات في عالم النسيان. ويمكن إدارة عملية إعادة الأشخاص الذين ترفض طلبات لجوئهم من قبل "تنسيقية الاتحاد الأوروبي للإعادة". وتظهر بيانات الاتحاد الأوروبي أنه يرفض ما معدله 370 ألف طلب لجوء كل عام، ولكن ثلث هذا العدد فقط يتم طردهم.

وتأمل رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في أن هذه المسألة وتغييرات أخرى ستقنع حكومات الاتحاد الأوروبي بأن تنظر للهجرة ليس كشيء سيء ولكن كشيء ثمين "يحدد معالم مجتمعاتنا ويثري حضاراتنا ويشكل كثيرا من حياتنا".

ولكن المتشددين ضد الهجرة في أوروبا لا يقبلون ذلك. وانصب اهتمام هنغاريا وبولندا وسلوفيكيا وجمهورية التشيك على أن يبقى اللاجئون في مناطق أو مخيمات خارج أراضي الاتحاد الأوروبي بينما يتم البت في طلبات الهجرة، ولكن لحد الآن لم يفضل أحد خطة "بريتي باتل" الغريبة لإرسال طالبي اللجوء إلى جزيرة أسينشين في جنوب الأطلسي.

والتقدميون في أوروبا بالمقابل يقلقون من أن مقترحات المفوضية تخدم اليمين المتطرف كثيرا. وتحذر المنظمات الحقوقية والمنظمات غير الحكومية من أن الاتفاق قد يضعف الحماية لبعض أكثر الناس ضعفا في العالم.

والاستقطاب داخل الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة ليس جديدا. فقد رحبت ألمانيا والسويد بحوالي 1.5 مليون لاجئ فارين من حروب الشرق الأوسط قبل خمسة أعوام ولكن أعضاء الاتحاد الشرقيين لم يهتموا. وبعد ذلك وقفوا ضد محاولات الاتحاد الأوروبي إدخال نظام خصص لإعادة توزيع اللاجئين بين 27 بلدا عضوا.

وتراجع عدد طالبي اللجوء، ولكن بالنسبة لكثير من حكومات الاتحاد الأوروبي فإن أزمة الهجرة لن تنتهي. وذلك لأن المشكلة لم تكن يوما مشكلة أعداد، بل إن خلافات أوروبا المستمرة حول ضبط الحدود وطلبات اللجوء و"التضامن" الإلزامي والطوعي يخبئ نقاشا أكثر ظلمة وانقساما أعمق.

فالغطرسة والتعصب هما الحاجزان الحقيقيان أمام سياسة هجرة تدار بشكل جيد في الاتحاد الأوروبي.

ونقاش الهجرة يتشابك مع سجل أوروبا الكئيب في مجال العنصرية وزيادة المشاعر المعادية للمسلمين وعلاقة القارة المعقدة ما بعد الاستعمار مع جاراتها الجنوبية وخاصة الأفريقية. وما هو في خطر في الاتحاد الأوروبي هو التزام الاتحاد بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون. وما هو في خطر أيضا هو سمعة الاتحاد الأوروبي العالمية.

وقد تقول مفوضة الاتحاد للشؤون الداخلية يلفا جوهانسون بأنها تريد أن تنزع الدراما من الهجرة وتجعل السياسة سياسة "عادية". ولكن قبل أن تتفق دول الاتحاد على قوانين هجرة جديدة، على السياسيين وصناع القرار أن يتفقوا على ثلاثة تحديات ذات علاقة وثيقة وإن كان يبدو ألا علاقة بينها.

أولا؛ على أوروبا مواجهة –وتغيير– تحيزاتها العرقية والدينية والإثنية. وثانيا؛ يجب أن يكون هناك حوار صادق حول القيم والهوية الأوروبية. وثالثا؛ تحتاج أوروبا إلى الاعتراف بضرورة إعادة تفعيل علاقاتها بالدول الأفريقية وغيرها من الدول الناشئة.

بالصدفة وليس بالتخطيط هذه أسئلة مطروحة على الأجندة الآن مع مقترحات الهجرة. فبعد اندلاع مظاهرات حياة السود مهمة في أوروبا في شهر أيار/ مايو وعدت فون دير لاين بمجموعة من الإجراءات لتفكيك العنصرية البنيوية بما في ذلك المزيد من التنوع العرقي في مؤسسات "بروكسل البيضاء جدا". وبخصوص القيم، مع أن محاولات فرض عقوبات على بودابست ووارسو بسبب انتهاك القيم الأوروبية بقيت عالقة، إلا أن الجهاز التنفيذي في الاتحاد الأوروبي يسعى لتحقيق تفحص أكبر لانتهاكات حكم القانون.

وبعد سنوات من إهمال العلاقات مع أفريقيا هناك أخيرا تركيز من الاتحاد الأوروبي على بناء "شراكات ندية" مع القارة كانت الحاجة إليها ماسة، مع أن التفاصيل لا تزال في مرحلة التطوير.

هذه المفاوضات مرتبطة بشكل كبير ببعضها البعض وبالحوار الدائر حول الهجرة. ويجب أن يتم دمجها معا للتفكير بها على مستوى عال.

وأبعد من العملية، السؤال الملح الذي يحتاج إلى جواب هو: من الذي يتحدث فعلا باسم أوروبا؟ هل هو فيكتور أوربان وحلفاؤه في مجموعة فيشغراد، الذين يريدون ناديا مسيحيا أبيض مغلقا، أم فون دير لاين التي تتحدث بحماس عن بناء اتحاد "بشر إنساني" وضد العنصرية؟ وهل يمكن أن يكون هناك تصالح حقيقي بين هاتين الرؤيتين المختلفتين تماما، والمتنافستين، لأوروبا؟

ليس هناك رد فعل سهل. فانتقاد أوربان، لبثه الكراهية ومعاداة السامية ورفضه "مجتمعا متوازيا" منفتحا يعيش فيه المسلمون والمسيحيون معا، أمر سهل. ولكن هناك الكثير من أشكال التعصب الماكرة. مثلا شجب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا لـ "الانفصالية الإسلامية" أو ترشيح مفوض للاتحاد الأوروبي "يروج لطريقة الحياة الأوروبية"، من الأصعب انتقادهما.

وفي غياب القيادة الأخلاقية اللازمة لسردية جديدة قوية، تقوم على تعدد الأعراق والإثنيات والثقافات في الاتحاد الأوروبي سيبقى تاريخ وهوية الاتحاد قائما على فكرة الاستثناء والاستعلاء؛ أساطير مطمئنة حيث يمتاز "الأوروبيون الحقيقيون" عن الغرباء غير المرحب بهم والدخلاء.

ولا يبشر أي من هذا بقرار سريع بشأن اتفاق الهجرة حتى وإن كان الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى المهاجرين ليس فقط لأجل مهاراتهم ومواهبهم بل أيضا كمساهمين لخزينة أوروبا الهرمة ولأنظمة التقاعد.

وأبرزت الجائحة عدد "المهمات الضرورية" في أنحاء القارة التي يقوم بها "عاملون أساسيون" هم في العادة من المهاجرين.

وقامت كل من البرتغال وإيطاليا بتطبيق نظام عفو للاجئين بينما قامت دول أخرى بتسريع إصدار أذون العمل وسمحت للمقدمين على اللجوء أن يعملوا خلال دراسة طلباتهم.

وبينما تتردد الحكومات حتى بشأن القيام باستيعاب الأطفال اللاجئين الذين فقدوا مأواهم في مخيم موريا، تقوم المجتمعات المحلية بالرد على مستوى الشعب. فهناك حركة في البلدات الألمانية تقول إن بإمكانها تخفيف المعاناة وحدها وتبرعت بجلب طالبي اللجوء. وهناك تقارير حتى عن سياسيين ألمان كانوا متشددين ضد المهاجرين بدأوا بالترويج لآراء معتدلة بشأن الهجرة وسط الأدلة أنه بالرغم من تخويف اليمين المتطرف إلا أن اللاجئين يندمجون بنجاح في المجتمع.

وضمان اتفاق على نظام إدارة هجرة جديد أكثر حكمة وعقلانية سيكون عملية بطيئة مؤلمة. ومن غير المتوقع أن يتقبل زملاء جوهانسون اقتراحها بالتفاوض على الاتفاقية الجديدة "برؤوس باردة وقلوب دافئة". وكما كتب المؤلف حنيف قريشي عام 2014: "لقد أصبح المهاجر شغفًا معاصرًا في أوروبا، النقطة الشاغرة التي تتصادم حولها المثل العليا".
0
التعليقات (0)