قضايا وآراء

هل وصلت رسائل الغضب التي أرسلتها مظاهرات سبتمبر؟

طارق الزمر
1300x600
1300x600
لا زال البعض يسأل: ماذا جنى المتظاهرون والمحتجون الذين خرجوا في أيلول/ سبتمبر احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية؛ غير أنهم عرّضوا أنفسهم لبطش السلطة، وتعرض بعضهم للاعتقال، فضلا عن الخرطوش والقنابل المسيلة للدموع وسقوط بعضهم شهداء؟

والحقيقة أنهم رغم ذلك نجحوا في إرسال رسائل مهمة، وقد وصلت بالفعل لبريد كل من يعنيهم الأمر، وتم استلامها مدموغة بعرق الفلاحين ومبللة بدموع النساء والأطفال الذين لم يعد لهم مأوى بعد هدم منازلهم. لقد غطت رائحة العرق على رائحة البارود ودخان القنابل، وغطت أنّات الفقراء على كل الأصوات بما في ذلك صوت الطلقات والقنابل المسيلة للدموع.

لقد أرسلت المظاهرات رسالة مهمة للعالم أجمع بأن الشعب لا زال حاضرا في الميدان، وأن المراهنة على تحقيق الاستقرار عن طريق القمع قد باءت بالفشل، وهو ما أجبر بعض الحكومات الغربية الحليفة لأن تطالب أخيرا بحرية التظاهر والتعبير!!

لقد تأكد للجميع أن توسيع دائرة الاعتقالات التي طالت كل الأحرار والشرفاء في مصر، وإغلاق كل منافذ التعبير الذي لم تسلم منه مواقع الإنترنت ولا شبكات التواصل الاجتماعي؛ لا يمكنه أن يطمس الحقائق القاتمة للمظالم السياسية والاجتماعية التي يعاني منها غالب الشعب.

لقد أرسلت الاحتجاجات رسالة عاجلة لكل المراهنين في الإقليم على نجاح الثورات المضادة وموت ثورة يناير، فقد عادت مظاهرها مرة أخرى، وإن كان ذلك في هتافاتها وشعاراتها التي لا تزال تفرض نفسها على كل احتجاج أو غضب شعبي.

لقد أكدت كثرة عدد الأطفال الذين تصدروا المظاهرات وراحوا يرددون هتافات الغضب التي تتجاوز أعمارهم؛ أن شحنات الغضب فوق ما كان يتخيل المراقبون، وأنها لم تترك شريحة اجتماعية ولا عمرية إلا افترستها.

لقد أكد تصدر القرى وسكانها (وليس المدن) لهذا الحراك الجماهيري الغاضب أن قمع المدن ليس نهاية الطريق، بل هو بداية طريق جديد أصبحت القرى فيه هي قائدة الحراك، وربما أصبحت مؤهلة لأن تنطلق منها شرارة الثورة، فلم يعد يدري الدكتاتور من أين تأتيه الزلازل والبراكين، فخرائط الغضب قد شملت كل بقاع مصر.

كما أن حراك القرى وسكانها قد هدم "الكنبة" التي كانت تمتص جزءا كبيرا من معاناة شعبنا وغضبه، بل وحطم أركانها.. تلك "الكنبة" التي كان النظام يراهن على حزبها والجالسين عليها، حيث كانوا يؤيدونه أو لا يبالون بظلمه أولا يهتمون بالسياسة بأي شكل كان.

لقد أثبتت الاحتجاجات أن السمت الرئيس للسلطة هو "التوحش"، ليس فقط في التعامل مع الاعتراض السياسي، بل والاحتجاج الاجتماعي أيضا.. كما لا زال "الجشع" هو من أهم مظاهر أداء الحكومة في التعامل مع المواطنين، وهو ما ظهر بشكل واضح في الجرأة على تخيير المواطنين الفقراء ما بين الدفع أو الهدم أي هدم منازلهم على رؤوسهم.

كما أصبح واضحا أنه برغم غياب التنظيمات والأحزاب السياسة ومنظمات المجتمع المدني أو تغييبها إلا أن ذلك لم يمنع الاحتجاجات، بل أصبح الغضب هو قائدها، ورفض الظلم هو محركها ومنظمها؛ فالشعوب لم تعد تنتظر من يقودها، والبؤس والمعاناة فرضا نفسيهما على الجميع.

لقد أكدت احتجاجات سبتمبر أن اقتحام الشوارع والميادين لا زال ممكنا برغم اتساع دوائر القمع ووصوله لكل بيت.. لقد أكدت احتجاجات سبتمبر أن الشعب لا يزال قادرا على كسر حاجز الخوف كلما أراد.. لقد أكدت احتجاجات سبتمبر قدرة المواطن الفقير الأعزل على إحراج رأس السلطة الغاشمة، والذي تحوّل سريعا من التهديد والوعيد إلى الملاطفة بالوعود.

لقد أكدت احتجاجات سبتمبر أن غضب المواطن والحراك الاجتماعي هو الرقم الصعب في مواجهة ترسانة القمع وبراميل الخوف التي يُقصف بها الشعب كل يوم.. لقد أحرجت احتجاجات سبتمبر الإعلام الحكومي وكشفت زيفه وانحيازه إلى جانب السلطة في مواجهة الشعب، سواء في تبنيه بالمطلق لمنطق السلطة وتجاهله للأزمات المعيشية التي ضج منها غالبة المجتمع أو في تراجعه واعترافه بأزمات الناس.

لقد أثبتت احتجاجات سبتمبر مدى تفوق منطق إعلام المعارضة في الخارج وبروز قدرته على إلحاق الهزائم بإعلام السلطة، وذلك من خلال مصداقيته وتبنيه لمشكلات الناس ودفاعه عن آلامهم ومعاناتهم، وهو ما يرشحه لأن يكون القوة الضاربة للثورة المصرية حال تنظيم أدواره وتنسيق حملاته.. لقد أكدت احتجاجات سبتمبر قدرة نشطاء التواصل الاجتماعي على إزعاج النظام وإرباكه، من خلال الهزائم المتوالية لحملاته ووضعه في موقف الدفاع.

وبقي بعد كل هذه النجاحات أن نهمس في أذن النخبة التي لا تزال بعيدة عن طموح الشارع، وخاصة بعد أن تأكد أن عمليات قمعها كانت بهدف كشف الغطاء السياسي عن الشعب الذي يتعرض لأفدح عملية استباحة على طول تاريخه.

لهذا، فإن نخبتنا السياسية والثقافية والمجتمعية مُطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تقوم بواجباتها، وألا تترك المحتجين في العراء، وخاصة بعد أن تبين بما لم يدع مجالا للشك أن إنقاذ بلادنا من الدكتاتورية والاستبداد أصبح رهينا بـ"الاصطفاف الوطني" ومرتبطا بإعادة "بناء الجماعة الوطنية".

وفي الختام.. يجب أن نعلم أن احتجاجات سبتمبر لها ما بعدها فلن يسكت المواطنون بعدها على ظلم السلطة وجنايتها على غالبية المجتمع باسم الإصلاح الاقتصادي: فالإصلاح الذي لا يجني المواطنون ثماره ليس إصلاحا.. والإصلاح الذي يستنزف عرق الفقراء ويمزق جيوبهم هو إفساد.. والإصلاح الذي يدمر الحاضر ويبدد كل أمل في المستقبل هو أبشع ألوان الظلم الاجتماعي.
التعليقات (1)
الكاتب المقدام
الأربعاء، 30-09-2020 04:11 م
... قيامة الناس لمواجهة سلطات البطش المتحكمة، يبدو للمراقب البعيد عن المشهد، وكأنه قرار مخطط له أو محرض عليه، والواقع أن خروج الجماهير الجماعي هو فعل تلقائي ذاتي، وليس استجابة لدعوة أو تحريض، ونتيجة للسخط المتراكم في نفوس قطاعات عريضة من الشعب خلال فترات قد تقصر أو تطول، وحين يتعمق يقين الوعي الجمعي للجماهير، بأن الخروج ضد النظام قد أضحى الخيار الوحيد المتاح أمام القمع المستمر والنهب المنظم والإفقار المتعمد لهم، وقد يبدوا للجهال والمغرضين أن سكوت قطاعات من الناس لفترات طويلة، هو رضا منهم بالأمر الواقع واستسلام له، ولذلك فدائماً ما تفاجيء الهبات الشعبية الواسعة النطاق الجميع، ليس فقط الطبقة الحاكمة ومؤيديها، بل يتفاجأ القائمين بها أنفسهم باتساع مداها وعنف طبيعتها، وعندها قد تصل الأمور إلى تصعيد خطير، عندما يقر في يقين غالبية أبناء الطبقة الشعبية الدنيا، والذين يمثلون 90% من الشعب، وهم الأكثر تأثراُ بفساد السلطة وبطشها، وهم وحدهم القادرون على الثورة الشاملة، ويصل الصدام إلى مداه، بالقناعة الجمعية بأن البقاء إما لنا وإما لهم، وككل أمر في الحياة فإن لكل فعل رد فعل مساو له في القوة مخالف له في الاتجاه، والقوة ليست حكراً لطرف دون آخر، فالمضخمين من قوة سلطات البطش بجيشها وشرطتها، يجهلون أو يتجاهلون أن تلك القوات غالبيتها من المجندين بنظام السخرة، الآتين من افقر المناطق المهمشة وأكثرها معاناة، وأن هؤلاء في الخدمة وخارجها حين تأتي ساعة الثورة، سيقفون في موقعهم الطبيعي بجانب أهاليهم أمام ضباطهم ومضطهديهم، وحتى أولئك الضباط ليسوا على قلب رجل واحد، وهم منشغلون بمصالحهم الخاصة، وقلة من قياداتهم هي التي تستأثر بمعظم المنافع، من بيع أراضي المعسكرات لصالحهم، ومن عمولات صفقات السلاح الباهظة، ومن الإتاوات التي تفرض على المواطنين والشركات، وتئول عائداتها لصناديق خاصة، يستأثرون بتوزيع غالبيتها، والشعب بغالبية طبقاته عندما يدرك أن أحواله المعيشية قد أصبحت في الحضيض، وأن الدولة قد اصبحت على حافة الإفلاس، بسبب إغراقها في الديون، وإهدار الأموال في مشروعات واستثمارات فاشلة، فالشعب لديه الوعي والعزيمة والإرادة لتحديد موعد هبته الجماعية، وعندئذ سيرى من أيدوا الانقلابيين من الشعب مدى صلابته وإصراره وقوته، وسيندمون حينها على خستهم ودنائتهم بوقوفهم وتأييدهم لإجرام الانقلابيين.