أفكَار

النخب وإشكالية مناعة الأمة العضوية وحصانتها الروحية (1)

أبو يعرب المرزوقي: فالتراتب بين الديني والسياسي هو دائما ثمرة التراتب بين الغائي والأداتي- (فيسبوك)
أبو يعرب المرزوقي: فالتراتب بين الديني والسياسي هو دائما ثمرة التراتب بين الغائي والأداتي- (فيسبوك)

يقدم عالم الاجتماع التونسي البروفيسور أبو يعرب المرزوقي، في هذه الأوراق التي تنشرها "عربي21"، بالتزامن مع نشرها على صفحة الدكتور أبو يعرب على صفحته الرسمية، قراءة علمية لواقع النخب في العالم العربي، وعلاقتها بالتغيير المنشود.. 

ومعلوم أن أولى خطوات العلاج أو الحكم على الشيء تبدأ أولا من التشخيص، وهذا ما انطلق منه الدكتور أبو يعرب في محاولة لتفكيك مفهوم النخبة وعلاقته بالمجتمع في مختلف مكوناته المعرفية والدينية والاقتصادية والسياسية. 

وإذ تنشر "عربي21" هذه الورقة على مجموعة من الحلقات، فإنها تسعى لتوسيع النقاش بين المنشغلين بقضايا الفكر العربي حول دور النخب في صناعة التغيير الجاد، وإنجاز مطالب الشعوب في التنمية على جميع المستويات..

عن الدولة والنخبة والشعوب

أبدأ البحث بغايته فأنطلق من النتيجة التي أنوي الوصول إليها. وهي ما به أفسر ما أعتبره أصل كل أدواء النخب الخمس باعتبارها قيادات العناصر المقومة لكيان الدولة بوصفها قيمة على وظائف الجماعة ومن ثم مترجمة سياسيا لسيادتها وحريتها شرط قيمها جميعا.

وهذا التعريف صالح لمفهوم الدولة في جميع الحضارت وفي كل العصور وهو جامع ومانع سواء صلحت الدولة أو فسدت لأن صلاحها وفسادها كلاهما رهن حال النخب الخمس التي ذكرت. ذلك أن الانتخاب حتى وإن لم يكن ذا نظام مؤسسي ـ مثل البيعة أو الانتخابات بالمعنى الحديث ـ فإنه حاصل دائما لأن بروز ممثلي الإرادة والمعرفة والقدرة والذوق والرؤى يحصل بصورة حتمية وإن لم ينظم مؤسسا مثله مثل الدستور، الذي وإن لم يتكتب فهو حاصل حتما بشكل عرفي، إذ مجرد الوجود المشترك يفترض عقدا ضمنيا يجعله ممكنا وإلا لما اطمأن أحد لأحد ولما حصل تواصل أو تبادل بينهم.

ولست أبحث في إشكالية أدوار النخب وكأنها من خصوصيات حضارتنا وحدها رغم ما عليه حالها التي صارت فيها هذه الظاهرة جائحة عامة تشمل كل النخب العربية على وجه الخصوص، بسبب ما عليه المرحلة التي تمر بها حضارة غرقت في انحطاطها كلها وفي سبات عميق دام قرونا ثم بدأت قلة من أفاضل نخبها تنتفض وتريد استعادة سيادتها واستئناف دورها.

ولا معنى للثورة الحالية وطلبها تحقيق شروط الكرامة والحرية داخليا وشروط التحرير من التبعية والاستضعاف خارجيا، من دون الوعي بضرورة علاج الأدواء التي جعلتها تنحط إلى الدرك الأسفل ليس بالقياس إلى غيرها فحسب بل وبالقياس إلى ماضيها أيضا. 

وعندما أقصر كلامي على النخب دون الشعوب فلا يعني ذلك أني:

1 ـ أحط من دور الشعوب بل أعتبرها كما هي في كل الحضارات الوسط الذي نتج عن تلك النخب وأنتجها في آن، لأنه صار يرى فيها خياراته المتعلقة بإرادته ومعرفته وقدرته وذوق ورؤية الوجودية ويعتبرها أهلا لقيادة تحقيقها في التاريخ الفعلي تحقيقا محددا لانتخابهم صراحة أو ضمنا. فالصلاح والفساد كلاهما يبدأ بالنخب ويعم الشعوب فتنقل العلاقة وتصبح الشعوب منتجة للنخب التي تصلح أو تفسد.

2 ـ كما أني بذلك لا أرفع من دور النخب بل أعتبرها من شروط وجود الجماعات لأن مفهوم الجماعة نفسه مؤلف من دورين أحدهما يجعل الجميع مشارك في كل شيء مباشرة فرض عين وبصورة غير مباشرة فرض كفاية. فالنخب من الشعب وهم مثل غيرهم يقومون بفروض العين التي هي خدمة كل فرد لكل الجماعة بما تخصص فيه وتحتاج إليه الجماعة وتلك علة التبادل.

لكن بعضها يؤدي دورا ثانيا هو فرض كفاية بمقتضى الاعتقاد في قدرته الناتجة عن ذلك التخصص وانتخابه ليكون ممثلا لإرادة الجماعة التي تختاره بمقتضى الحاجة إلى التخصصات التي تتألف منها القوامة على وظائف الجماعة حتى لو كان الاختيار بالسكوت الذي يمثل الرضا لأن النخب لا يمكن أن تقود شعب إذا وصل إلى درجة رفضها وعدم الثقة بها.

وإذن فما به أفسر أدواء النخب وعلاجاتها ليس مقصورا عليها بل هو يشمل الشعوب التي انتخبتهم صراحة أو ضمنا، إذ كما بينت في مسألة الدستور الذي يمكن أن يكون مكتوبا وصريحا أو نظاما من العادات ويكون عرفيا. وكذلك الشأن بالنسبة إلى من ينتخبون صراحة أو ضمنا ليكونوا ممثلين لعناصر القوامة في الجماعة. وهم من سماهم الغزالي معتبري الزمان حتى وإن لم يحددهم.

وما أسميه النخب الخمسة هم من تنتخب منهم الجماعة من تعتبرهم معتبري زمانها. ومثال شكلها المؤسسي عند المسلمين ما يسمى بأهل الحل والعقد وهم تقريبا النخب الخمس الذين ذكرتهم أي ممثلي الإرادة الذين ينتخبون من يرونه أهلا للحكم وغالبا ما يكون أهل الحل والعقد من القيادات الدفاعية ثم العلماء (غالبا علماء الدين ومن عرفوا بالصلاح ورجال الاقتصاد والأدباء الكبار (الشعراء) ورجال الدين والفكر.

والعلة هي أن الشعوب تعتبر هؤلاء النخب قاطرات حياتها في عمومها مصداقا لقول الرسول كيفما تكونون يولى عليكم، ليس في السياسة فحسب بل في المعرفة وفي القدرة وفي الذوق وفي الرؤية. ويمكن اعتبار الغزالي أول من أضفى صوغا فلسفيا على هذه الرؤية وفسر بها الفعل السياسي الذي يرده إلى طبيعة القيادات القاطرة للجماعة وقد سماهم "معتبري الزمان". وهذا المفهوم أعم من مفهوم النخبة في عصرنا وأكثر مطابقة لما يصيب وظيفة القوامة التي تتألف منها الدولة المعبرة عن إرادة الجماعة.

فالنخبة في هذا المضمار ليست مقصورة على المثقفين في ذهنية النخب العربية التي لا ترى من العالم إلا سرتها. ولا عجب إذا تباكت عن ضآلة دورها ذلك أنهم ينسبون إلى "فكرهم" دورا أكبر من حجمه ثم يتباكون على ضآلته. فالمثقف بهذا المعنى لا أثر له لأن فاعليته متناسبة مع حاجة بقية الأدوار إليه ودورها في كل واحد منها وهو اشبه بدور أحد العازفين في السمفونية التي تنتجها الجماعة بكيانها العائد على ذاته ليكون تعبيرا سياسيا عن إرادته ومعرفته وقدرته وذوقه ورؤيته.

إعادة النظر في الأحكام السلطانية

وبمجرد الوصول إلى هذه الرؤية أصبحت مقتنعا بضرورة إعادة النظر في مصنفات الأحكام السلطانية والعناية بدلالتها. فهي قد ظلمت ولم تفهم بصورة تطابقها لأنها التحقيق الفعلي للنظرة التي ترى الدولة هذه الرؤية التي السنية تعتبر السياسة عملا اجتهاديا يعالج الحكم باعتباره إدارة الشأن العام لحماية الصالح العام ولا يوجد شكل منها يرقى إلى مرتبة العقيدة.

فما هو عقدي فيها هو المرجعية القيمية وشروط الالتزام بها وليس أدوات إنجازها ومنهجياته كما عرف ابن خلدون الإمامة في الفصل العاشر من باب المقدمة الأخير عندما حدد علة وضع مسألة الإمامة في علم الكلام الأشعري باعتباره ردا على التشيع الذي جعلوها عقدية وليس لأنها من مسائله.

وبهذا المعنى فإن هذه المحاولة ليست لعلاج هذه الداء فحسب بل هي أيضا لمراجعة الموقف من الأحكام السلطانية التي حدث لها ما حدث للانتقال من العصر الراشدي إلى العصر الأموي من مقابلة مطلقة بين عصرين متنافيين أحدهما صار مقدسا والثاني مدنسا:

1 ـ فنفس هذا الموقف التقديسي والتدنيسي الذي حال دون فهم علاقة اللحظتين من تاريخ السياسة الإسلامية بتعيير مساره بلحظة مثالية وهمية منه فصارت لحظة الخلفاء الراشدين لحظة ملائكة وكل ما أتى بعدهم لحظة شياطين وأصبح طلب الإصلاح حائلا دون البناء المؤسسي الجامع بين الشرعية والشوكة حتما.

2 ـ حدث مثله في النظام المؤسسي للقوامة فحال دون فهمنا لتاريخ بناء مؤسسات القوامة بتعيير مسارها بلحظة مثالية وهمية من الديموقراطية الغربية دون فهم لمسارها هي بدورها. فقد أسيء تقييم المؤسسات التي وضعتها فلسفة القانون الدستوري الإسلامي بسبب تقديس مؤسسات الديموقراطية في غايتها الحالية.

النخب خمسة أنواع

وقد بينت في الكثير من المحاولات ان النخب خمسة أنواع وأن الدولة حتى لو كانت بدائية لا يمكن أن تتأسس من دونها كلها باعتبارها قيمة على وظائف الجماعة التي من دونها لا يمكن أن تتألف أصلا بل إن قوامة الجماعة على وظائفها هي عين ما تترجم عنه هذه النخب مجتمعة إرادة ومعرفة وقدرة وذوقا ورؤية:

1 ـ نخبة الإرادة ومنهم الساسة في الحكم والساسة في المعارضة.
2 ـ نخبة المعرفة ومنهم كل من يمثل المعرفة الرسمية ومعارضتها.
3 ـ نخبة القدرة ومنهم الاقتصاديون في المادي والروحي من شروط قيام الإنسان.
4 ـ نخبة الحياة أو الذوق ومنهم الفنانون والرياضيون.
5 ـ نخبة الرؤى الوجودية ومنهم رجال الدين والفلاسفة.

ففي هذه النخب جميعا شخصيات الصالح والطالح ليس بصورة مطلقة بل بالقياس إلى الوظيفة المنتظرة منها لتحقيق شروط قيام الجماعة قياما يحقق الحرية والكرامة داخليا ويحقق عدم التبعية وعدم الاستضعاف خارجيا وتلك هي سيادة الجماعة. ومن تختارهم الجماعة للقوامة على شؤونها هذه هم من يسميهم الغزالي "معتبري الزمان" ويقيسهم بمدى اتباع الجماعة لهم والاخذ برأيهم فيها. فيكون دورهم مضاعفا في حياة الجماعة:

1 ـ بعده الأول هو المساهمة في النشاط الذي عرفتهم بهم بمعنى أن نجاحهم في أداء فرض العين هو الذي يؤهلهم لما يعهد إليهم من فرض كفاية نيابة على الجماعة في القوامة.

2 ـ بعده الثاني البروز القيادي في مجالهم باعتراف أهل الاختصاص في كل نخبة. ومعنى ذلك أن دور القوامة ترشيح من الجماعة بالنظر إلى نتائج المرشح في مجاله.

والمعلوم أن كل دور لكل فرد من الجماعة له في الحقيقة هذين الصفتين أي إنه فرض عين وفرض كفاية. فكل إنسان يحتاج إلى دور الخباز مثلا. لكن ليس كل إنسان خباز. فيكون الخباز مؤديا لفرض عين لأنه يحتاج إلى الخبز مثل غيره ولفرض كفاية لأنه يصنع الخبز لغيره مقابل غيره الذي يصنع له ما يحتاج إليه بنفس المنطق. وذلك هو السر في تقسيم العمل في الجماعة بمنطق الجمع بين الفرضين العيني والكفائي في كل مهنة. وفي ذلك ثمرتان هم معنى الجماعة وعلة وجودها:

1 ـ فلما كان التبادل ضروريا بهذا المعنى كان لا بد أن يكون مستندا إلى الفرضين بمعنى أن كل فرد يختص في مجال يستجيب لحاجته الشخصية ولحاجة غيره فيكون الضمني أنه يصنع لغيره ما يصنعه لنفسه بنفس الاتقان التقني والأمانة الخلقية.

2 ـ فيحصل من ثم الاطمئنان للتبادل لأن أساسه هو التعاون والتعاوض العادل. ومن ثم فلو لم يكن البشر يتواصلون لاستحال أن يتبادلوا. التواصل غايته الاطمئنان للتعاون الذي غايته التبادل والتعاوض العادل. وبهذا المعنى فالتطفيف والغش من الكبائر في الإسلام.

 

ذروة الداء اليوم في بلاد العرب قطرا قطرا ثم في وحدة أهل الأقليم ذي الثقافة العربية الإسلامية بإثنياته المتعددة ـ عربا وأمازيغ وأكرادا وتركمانا وافارقة من غير هؤلاء ـ يعم النخب التي لم تصبح "الاكثرين من معتبري الزمان" التي تتفق على مشروع انعقاد الإمامة بمعنى النظام الواحد في كل قطر ثم بين الأقطار لأن سر ضعف الأمة هو أن ما يصح على فقدان الوحدة بين الأقطار هو عينه ما يصح على الوحدة في كل قطر على حدة.

 



والمجيد في اختصاصه بمعايير الجماعة هو الذي يجعلها تراه أهلا لأن ينوبها في القوامة على شؤونها بشرط الأمانة والعدل والبقاء الدائم تحت رقابتها لأنه موظف لديها. العلامة التي تجعل الجماعة ترشحه هو نجاحه في مجاله فأهله لأن يصبح نجما فيه فصار مسموعا وهو المعنى الذي يصفه الغزالي بالصورة التالية رغم ما يبدو من حصره المفهوم في دلالته على النوع الأول أي أصحاب الإرادة والقيادة السياسية:

"ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأي واحد إلا إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته وترسخت في النفوس رهبته ومهابته. ومدار جميع ذلك على الشوكة. ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبري الزمان"(فضائح الباطنية). لكنه في الحقيقة قصد الأنواع الخمسة لأن شرط قيام الشوكة يكون بموافقة الأكثرين من معتبري الزمان: وقد ذكر مجال الموافقة:

1 ـ ظهرت شوكته: "ظهرت" ليس بمعنى بانت بل بمعنى غلبت وإن كان معنى البينونة تابعا للغلبة.
2 ـ عظمت نجدته: "النجدة" ليس بمعنى استعمال الشوكة عامة بل ضد الظلم ومع العدل.
3 ـ ترسخت في النفوس رهبته: "الرهبة" بمعنى حصول الخوف المصحوب بالاعجاب.
4 ـ ترسخت في النفوس مهابته: "المهابة" بمعنى غاية الاحترام والتقدير.
5 ـ ومدار جميع ذلك على الشوكة: الشوكة ليست عنفا أعمى بل غايتها العيش المشترك بين الاحرار.

فالشوكة التي مدار كل هذه المعاني هي ما يؤهل لوظيفة العنف الشرعي في الدولة الحديثة. وهذه الصفات لا يكفي فيها شخص واحد واجتماعها هو السمفونية النخبوية التي تعتبر أهل الحل والعقد في الجماعة أي جماعة سواء كانت في غاية التقدم الحضاري أو في بدايته لأن ذلك هو معنى الجماعة وإلا لكانت مؤلفة من أفراد كلهم نسخة واحدة من اختصاص واحد.

لذلك قال الغزالي "ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبري الزمان" حتى وإن اقتصر على تعدد المفهوم دون أن يبين تعدد مجالاته. وإذن فمعتبرو الزمان ليسوا من لهم هذه الصفات من الساسة وحدهم بل من أصناف النخب الخمسة التي ذكرت كل بما يناسب مجاله كما يتبين من المؤسسة التي صارت تعبر عن هذا المعنى: مؤسسة أهل الحل والعقد.

وهذا الشرط علته تحقيق شرط وجود الدولة في رأي الغزالي أي التغلب على ما يحول دون قيامها في يتميز به البشر من تعدد وتناقض وتعارض إذ قال" ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأي واحد إلا إذا....". وهذا هو الداء صار مضاعفا أي:

1 ـ غياب معتبري الزمان القادرين على علاج ما يحول دون وحدة قيادة الدولة لعدم توفر شروط السمفونية.
2 ـ "موافقه الأكثرين من معتبري الزمان" على مشروع دولة توحد الجماعة شرطا للقوامة والعيش السلمي المشترك.

فيكون الجواب الذي قدمه الغزالي هو أن علة وجود الدول هي منع ما قد يؤول إلى الحرب الأهلية الدائمة. وهذا يتعلق بشرط قيام الحكم الذي يكون بالاختيار المتسغني عن الوصية الشيعية هو علاج التعدد في الجماعة وجعله قابلا لأن يتحد في مشروع يجعل الجماعة تحكم نفسها بنفسها بفضل موافقة الأكثرين من معتبري الزمان.

وهو أمر يمكن أن يبدأ بأحدهم أو بأكثر من واحد ثم يجتمع معتبرو الزمان حوله فيقودوا الجماعة. وقد ضرب مثال يوم السقيفة وحسم الأمر انطلاقا من مبايعة عمر لابي بكر. ولهذه العلة فحتى الرسول لم يكن وسيطا ولا وصيا :" فذكر إنما أنت مذكر * ليست عليهم بمسيطر".

إذ يقول الغزالي: "ونحن نقول (بخلاف ما يقوله أصحاب الوصية أي التشيع) : لما بايع عمر أبا بكر ـ رضي الله عنهما ـ انعقدت الإمامة له بمجرد بيعته ولكن لتتابع الأيدي إلى البيعة بسبب مبادرته. ولو لم يبايعه غير عمر وبقي كافة الخلق مخالفين أو انقسموا انقساما متكافئا لا يتميز فيه غالب ومغلوب لما انعقدت الإمامة. فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المشايعة ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء في مصطدم تعارض الأهواء".

صحيح أن ابن خلدون قد أخطا خلال تعريفه منهج البحث الذي اختاره في المقدمة بالمقابلة مع نظرية الفلاسفة في المدينة الفاضلة ومع نظرية الأحكام السلطانية في الفقه السياسي الإسلامي، فاعتبر الأحكام السلطانية مثل نظرية المدينة الفاضلة الفلسفية واعتبرها تعكس العلاقة بين طبيعة السياسة التي تستنتج من طبائع العمران والاجتماع وسياسة مثالية تفرض احكام الشريعة وكأنها إسقاط لقبليات غير مطابقة لما تقتضيه طبائع العمران.

لكنه تدارك عندما انتهى إلى أنه قلما يخالف الشرع طبائع العمران البشري والاجتماع الإنساني أي ما يستنتج منها وبين أن تأسيس الدول والأنظمة السياسية يخضع لنفس ما وصف الغزالي في هذا النص. وفيه نقل هذه المفهومات إلى شكل مؤسسي يجعل معتبري الزمان أي أهل الحل والعقد المؤلفين من الساسة والعلماء والمنتجين والأدباء ورجال الدين (الأبرز في العلوم الدينية) والفلاسفة (الأبرز في العلوم الدنيوية) هم من يختار بمعايير هي التي ذكرها الغزالي الواحد من بينهم ليكون صاحب السلطة في الجماعة يرشحونه للبيعة لحيازته مقومي الشوكة الشرعية بديلا من الوساطة بين المؤمن وربه والوصاية بين المؤمن وشأنه لأن المبايع خليفة وهي صفة للإنسان من حيث هو إنسان وليست خاصة بوسيط روحي أو بوصي سياسي.

وطبيعي أن تكون هذه الثورة التي يتساوى فيها المؤمنون بوصفهم خلفاء متساوين في هذه المنزلة الوجودية التي تجعلهم في آن رعاة ورعايا قبل أن يتحقق النموذج ويصبح من عادات الجماعة واخلاقها العامة. وما يحول دون ذلك هو الحروب الاهلية حول هذه الثورة بالذات فتنكص الجماعة إما إلى الحل القائل بالوساطة والوصاية أو إلى ما يشبهه أي القوة العنيفة المستغنية عن الشرعية وهو ما يقتضي فساد النخب الخمسة بأن يصبح معتبرو الزمان من أراذل القوم: والعلة قدمها الغزالي بوصفها عدم وجود معتبري زمان يحققون الأغلبية الفاضلة في الجماعة أي ما تحقق في هذا المعنى:

"ونحن نقول: لما بايع عمر أبا بكر ـ رضي الله عنهما ـ انعقدت الإمامة له بمجرد بيعته ولكن للتتابع الأيدي إلى البيعة بسبب مبادرته. ولو لم يبايعه غير عمر وبقي كافة الخلق مخالفين أو انقسموا انقساما متكافئا لا يتميز فيه غالب ومغلوب لما انعقدت الإمامة. فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المشايعة ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء في مصطدم تعارض الأهواء".

وذروة الداء اليوم في بلاد العرب قطرا قطرا ثم في وحدة أهل الأقليم ذي الثقافة العربية الإسلامية بإثنياته المتعددة ـ عربا وأمازيغ وأكرادا وتركمانا وافارقة من غير هؤلاء ـ يعم النخب التي لم تصبح "الاكثرين من معتبري الزمان" التي تتفق على مشروع انعقاد الإمامة بمعنى النظام الواحد في كل قطر ثم بين الأقطار لأن سر ضعف الأمة هو أن ما يصح على فقدان الوحدة بين الأقطار هو عينه ما يصح على الوحدة في كل قطر على حدة.

لكنها صارت كما وصفها ابن خلدون جماعات فسدت فيها معاني الإنسانية فصارت عالة على غيرها تربية وحكما فلم تعد قادرة على حماية ذاتها عرضا وأرضا بسبب غياب الوحدتين الشارطتين للحرية والكرامة في الداخل وللمناعة المادية والحصانة الروحية في الخارج:

1 ـ غياب الوحدة القطرية أو الدولة بمعناها الوطني الحديث ومحاولة فهم علته وعلاقتها بالاستضعاف والاستتباع.


2 ـ وغياب الوحدة بين الأقطار بمعناها المتجاوز للأوطان الضيفة إلى وطن أوسع يحقق شروط السيادة رعاية وحماية.

ففي الحالة الأولى يزعم السياسيون أنهم يحكمون باسم الله وينسبون المرجعية إلى الدين والنقل كما في التشيع حاليا والكاثوليكية في القرون الوسطى.

وفي الحالة الثانية يزعمون أنهم يحكمون باسم الإنسان وينسبون المرجعية إلى الطبيعة والعقل كما في العلمانيات اليعقوبية أو الماركسية والأنظمة الفاشية الجامعة بين أفسد ما فيهما عند العرب.

ما يعنيني هو الجذر المشترك بين أنظمة الحكم بصرف النظر عن طبيعة المرجعية دينية كانت أو طبيعية. فأساس النظام الثيوقرطي هو الحكم باسم الله وأساس النظام الأنثروبوقراطي هو الحكم باسم الإنسان. وأساس الأساسين الواحد إما حقيقة الأساس أو تحريفها. وحقيقته هي الروحي والخلقي وتحريفه هو نفيهما الفعلي.

مرض النخبة المزمن

والنفي عملية تحريف تتمثل في استبدالهما ببعدي العجل أي بالعملة (الذهب) وبالكلمة (الخوار). ولما كان الحكم وأدواته يعتمدان دائما على النخب الخمس بحسب الموجود في الجماعة فإن مطلبي هو فهم تأثير عملية الاستبدال هذه فيهم لأني اعتبرها المرض المزمن لكل النخب:

1 ـ نخبة الإرادة السياسية
2 ـ ونخبة المعرفة العلمية
3 ـ ونخبة القدرة الإنتاجية اقتصادا وثقافة
4 ـ ونخبة الإبداع الفني والرياضي
5 ـ ونخبة الرؤى الدينية والفلسفية.

لكن أنظمة الحكم لا تقتصر على هذين النوعين الأقصيين-الثيوقراطيا والانثروبوقراطيا- اللذين يمثلان الحدين الأقصيين بل إن له شكلين آخرين وأصل يوحد بينها أربعتها فتكون بذلك خمسة أنظمة في كل حضارة وفي كل عصر. وهذا الأصل هو هذه البنية العميقة التي هي حقيقة النظام في سياسة عالم ا لشهادة وبديلها المحرف الذي هو دين العجل:

1 ـ النظام الثيوقراطي
2 ـ النظام الانثروبوقراطي
3 ـ النظام الجامع بينهما بتقديم الأول
4 ـ النظام الجامع بينهما بتقديم الثاني
5 ـ النظام الذي يتوسط بين الثالث والرابع بالمناوسة بينهما بحسب الظرفيات المناسبة لهما.

 

إذا كان دور الله ودور الإنسان صادقين وليسا مخادعين كانت سياسة عالم الشهادة سياسة تؤمن فعلا بأن له ما وراء غيبي يحول دون تحول السياسة إلى دين العجل.

 


فحقيقة النظام في السياسة هي المرجعية المتعالية على القيمة المادية (الروح) وعلى القيمة المعنوية (الخلق). والقيمة المادية هي شرط القيام العضوي. وهي تفقد بعدها الروحي عندما يلغى كل تعال عليها. والقيمة المعنوية هي شرط القيام الخلقي. وهي تفقد بعدها المعنوي عندما يلغى كل تعال عليها. والأنظمة الوسيطة ممكنة بسبب هذه المزاوجة بين المادي أي قيم الاقتصادي خاصة والروحي أي قيم الثقافي خاصة بمعيار أيهما التابع للثاني. ومن ثم فالحدان الاقصيان هما الأكثر تنكرا لاخفاء المزاوجة بينهما بتحيل دين العجل ولأسم النظام الناتج عنه بكونه أبيسيوقراطيا أي النظام الذي يحكم باسم بعدي العجل.

والإلغاء هو علامة تحريف الأصل الذي هو الإيمان بدور الله في النظام ذي المرجعية الدينية المتعالية على الأمر الواقع وبدور الإنسان في النظام ذي المرجعية الطبيعية المتعالية على الأمر الواقع. فإذا كان دور الله ودور الإنسان صادقين وليسا مخادعين كانت سياسة عالم الشهادة سياسة تؤمن فعلا بأن له ما وراء غيبي يحول دون تحول السياسة إلى دين العجل.

أولا: الحدان الاقصيان وهما:

1 ـ أي الثيوقراطي الخالص.
2 ـ الأنثروبوقراطي الخالص.

ثانيا: الوسطان بينهما وهما:

3 ـ الناتج عن اعتراف الأول بالثاني أي الثيوقراطي المعدل بالأنثروبوقرطي: وهو الثورة الأولى في علاقة الأديان بالسياسة.

4 ـ الناتج عن الثاني الثاني الأول أي الأنثروبوقراطي المعدل بالثيوقراطي: وهو الثورة الأولى في علاقة السياسات بالدين.

استحالة الفصل بين الديني والسياسي

5 ـ وأخيرا أصل هذه العلاقات الموجب والسالب. فاستحالة فصل السياسي عن الديني والديني عن السياسي تشبه علاقة جوهرية في كل عمل إنساني هي علاقة الغاية بالأداة في سلم قيمي قد يحول الأداة إلى غاية والغاية إلى وسيلة. فالديني في حياة الإنسان يرمز إلى ما فيه من سد لحاجات ذهنية وروحية. والسياسي في حياته يرمز إلى إلىما فيه من سد لحاكات عضوية ومادية. ومن ثم فالتراتب بين الديني والسياسي هو دائما ثمرة التراتب بين الغائي والأداتي مطبقين على نوعي الحاجات الإنسانية.

فيمكن أن يكون الديني أداة للسياسة والسياسي غاية ما يجعل الروحي تابعا للمادي. والعكس يجعل السياسي أداة والديني غاية لأن المادي أداة والروحي غاية. ويترتب على ذلك العلة التي تتجلى مباشرة في تراتب علاقة العالمين عالم الشهادة الذي يصبح الحقيقة الوحيدة أو أحد تجليات عالم الغيب في الرؤية الإنسانية معرفيا (رؤية ابستمولوجية) وقيميا (رؤية أكسيولوجية).

 

الديني في حياة الإنسان يرمز إلى ما فيه من من سد لحاجات ذهنية وروحية. والسياسي في حياته يرمز إلى إلىما فيه من سد لحاكات عضوية ومادية. ومن ثم فالتراتب بين الديني والسيسي هو دائما ثمرة التراتب بين ا لغائي والأداتي مطبقين على نوعي الحاجات الإنسانية.

 


وهي إذن أربعة فروع عن أصل تتحد فيه وهو الذي يجعلها تكون سوية أو منحرفة في منظور أصحاب الموقفين. فمن يؤمن بأنه لا حقيقة وراء عالم الشهادة يعتبر الثاني منحرفا والعكس بالعكس. وإذن فالاصل واحد لكنه يقربل التأويلين بحسب الموقفين. وإذن فكل أنظمة الحكم قابلة لأن تكون ابيسوقراطيا أي:

1 ـ حكما ساعيا لاتباع دين العجل إذا كان يعتبر عالم الشهادة هو الحقيقة الوحيدة ونافيا لكل ما يتعالى عليه.

2 ـ حكما ساعيا للتحرر من دين العجل يؤمن بأن عالم الشهادة ليس الحقيقة الوحيدة وله ما يتعالى عليه.

فنكون أمام من يعتقد أنه لا معنى لغير ما يسميه الواقع لأنه لا يميز بين الواقع الأمر الواقع ومن يعتقد أن يوجد معنى متعال على الأمر الواقع ورمزه الإيمان بما ورائه من الغيب الذي هو في الحقيقة دراية بحدود الإنسان في المعرفة (النظر) والتقييم (العمل). ولو كان ذلك مبنيا على المطابقتين أي على علم مطابق لما يسمونه الواقع وعلى تقييم مطابق لما يسمونه قيما موضوعية أي:

1 ـ لو كانت الإحاطة في العلم ممكنة لكان من حق الإنسان إلا يحترز ضد الخطا المعرفي فيه.

2 ـ ولو كان التقييم العقلي في العمل ممكنا لكان من حق الإنسان لا يحترز ضد الخطأ التقييمي فيه.

وبذلك يتين أن الأدواء كلها متعلقة بنظرية المعرفة وبنظرية القيمة اللتين تجعلان الإنسان يختار بين موقف الاقتصار على عالم الشهادة (ويسميه ابن خلدون حب التأله) وموقف تجاوزه إلى عالم الغيب لإدراك الإنسان لحدود علمه معرفيا وحدود إرادته قيميا فيتحرر من دين العجل. ولست أنكر أن ذلك يقرب من المستحيل. ولهذه العلة فإن تطبيق أحكام الأفعال هي التي تؤدي إلى أن الحدين الأقصيين مستحيلان وينتهيان إلى النقيض بمعنى أن الواجب والحرام في الأنظمة مستحيلان وكلاهما يؤول إلى الحكم باسم العجل وليس باسم الله ولا باسم ا لإنسان.

فلا يبقى إلى المندوب والمكروه. فهما الغالبان. أما المباح فهو المناوسة بينهما وهو النظام الاجتهادي الذي يحاول تحرير الله والإنسان من العجلية فيكون حكما باسم الخليفة والمستخلف كما يحدد القرآن شروطه في سورة العصر وأولها الوعي بالخسر الذي هو دين العجل فيكون التحرر الفردي منه بالإيمان والعمل الصالح والتحرر الجماعي بالتواصي بالحق أو الاجتهاد لمعرفة ما يمكن للإنسان معرفته من القيم الخمس والتواصي بالصبر أو الجهاد لتحقيق الممكن مما يمكن معرفته من القيم الخمس:

1 ـ حرية الإرادة
2 ـ صدق العلم
3 ـ خيرية القدرة
4 ـ جمال الذوق
5 ـ جلال الرؤية.

التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم