قضايا وآراء

الإسلام والرجم (17): هل شهد الرسول إقامة الحدود؟

عصام تليمة
1300x600
1300x600

تحدثنا في مقالاتنا السابقة عن أحاديث تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم  للرجم، ومن النصوص التي أوردناها في حوادث الرجم، نلاحظ أن النصوص التي وردت لم تبين شهود النبي صلى الله عليه وسلم لتطبيق الرجم، رغم ورود حكمه فيه. والمراجعة فيما إذا شهد النبي صلى الله عليه وسلم حد الرجم، أو غيره، لها دلالة ستتضح من سرد النصوص.

ففي حادثة تحكيم اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم بينهم، ولم تورد الروايات شهوده لتطبيق حكمه، ورد عن بعض الصحابة شهودهم للحادثة، لكن لم تنص الروايات على حضوره صلى الله عليه وسلم في رجم اليهوديين، بل أصدر حكمه الموافق للتوارة؛ ولم يحضر.

وفي حادثة ماعز، كذلك ما يدل على عدم حضوره، ففي قوله: "هلا تركتموه؟!" ما يدل على ذلك، فعبارات الصحابة الذين رووا الحادثة تدل على حكايتهم له صلى الله عليه وسلم لما حدث، فدل على أنهم أقاموه، ثم حكوا له ما حدث، وهي دلالة على عدم حضوره.

وكذلك في حادثة الغامدية، لا تدل الروايات على حضوره، أو مشاركته، وما ذكر من تعقيبه على خالد بن الوليد عندما لعنها، فهي رواية ضعيفة كما ذكرنا عند حديثنا عن الحادثة.

وأما المرأة التي رجمت في حادثة زنا الأجير، فقد ذهب إليها أنيس وحده، كما قال له صلى الله عليه وسلم: اغد أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها.. إلى آخر الروايات الواردة في الحديث، فلم يحضر أيضا صلى الله عليه وسلم.

وهو ما نلاحظه بوجه عام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لم يكن يحب شهود الحدود، بل كان يكره إقامة الحد، ويميل إلى توبة المذنب، وعدم الذهاب إليه صلى الله عليه وسلم. ففي حادثة قطع اليد في السرقة، ورد عدم حضوره، بل كراهيته لذلك، فقد جاء رجل من المسلمين بابن أخ له وهو سكران إلى عبد الله بن مسعود. فذكر الحديث في كيفية جلده، قال: ثم قال لعمه: بئس لعمر الله والي اليتيم أنت! ما أدبت فأحسنت الأدب، ولا سترت الخربة.

فقال: يا أبا عبد الرحمن، أما والله إنه لابن أخي وما لي ولد، وإني لأجد له من اللوعة ما أجد لولدي، ولكن لم آل عن الخير. فقال عبد الله: إن الله عفو يحب العفو، ولكن لا ينبغي لوالي أمر أن يؤتى بحد إلا أقامه.

ثم أنشأ يحدثنا عن نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أول رجل قطع من المسلمين رجل من الأنصار؛ أتي به نبي الله صلى الله عليه وسلم وقد سرق فقال: "اذهبوا بصاحبكم فاقطعوه".

وكأنما أسف وجه نبي الله صلى الله عليه وسلم رمادا، ثم أشار بيده يخفيه، فقال بعض القوم: كأن هذا شق عليك؟ فقال: "لا ينبغي أن تكونوا أعوان الشيطان (أو: إبليس) فإنه لا ينبغي لوالي أمر أن يؤتي بحد إلا أقامه، والله عفو يحب العفو". ثم قرأ: "وليعفوا وليصفحوا" (النور: 22)(1).

وفي رواية: "إني لأذكر أول رجل قطعه، أتي بسارق، فأمر بقطعه، وكأنما أسف وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قالوا: يا رسول الله، كأنك كرهت قطعه؟ قال: "وما يمنعني، لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم، إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه، إن الله عز وجل عفو يحب العفو: "وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" (النور: 22)" (2).

بل كان هديه صلى الله عليه وسلم الميل للعفو، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء في قصاص إلا أمر فيه بالعفو" (3).

فلم يكن صلى الله عليه وسلم متشوفا إلى عقاب الناس، بل كان تشوفه إلى توبة كل مذنب، كما رأيناه في مراجعة الغامدية، ولومه الصحابة على قتل ماعز بعد هروبه منهم، وكراهيته لمن جاءوا به ليقيموا عليه الحد ، وكذلك في قوله فيمن أتي به لعقوبته على شرب الخمر. وهو ديدنه صلى الله عليه وسلم مع كل المعاصي سواء ممن لها عقوبة دنيوية أم لا.


_________
الهوامش:

1- رواه النسائي في الكبرى (17675).


2- رواه أحمد عن ابن مسعود (4168)، والحاكم (8155) وصححه، وقال محققو المسند: حسن بشواهده (7/232)، وذكره الألباني في الصحيحة برقم (1638) (4/182).

3- رواه أحمد (13220) وأبو داود (4497) وابن ماجه (2692) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وقوى محققو المسند إسناده (20/437).

[email protected]

التعليقات (0)

خبر عاجل